أكّد البروفيسور أحسن دواس، من جامعة سكيكدة، أنّ الترجمة تمثل مسربا أساسيا لتواصل الثقافات وتلاقحها، ووسيلة معرفية تتيح للشعوب الاطّلاع على الإنتاج الفكري والأدبي والنقدي لبعضها البعض، مبرزا دورها في بناء جسور التواصل بين اللغات والحضارات ونقل المعرفة من فضاء ثقافي إلى آخر.
أوضح البروفيسور دواس لـ«الشعب” أنّ الترجمة لم تعد مجرّد عملية نقل لغوي للنصوص، وإنما أصبحت فعلا معرفيا وثقافيا يعيد إنتاج المعنى ضمن سياق جديد، ويسمح بانتقال التراث الأدبي والفكري بين الحضارات، بما يضمن استمرارية الحوار بين الماضي والحاضر وبين مختلف التقاليد المعرفية.
وأشار إلى أن حركة الترجمة أسهمت تاريخيا في انتقال العديد من المفاهيم والنظريات السياسية والفلسفية والأدبية والنقدية من الغرب إلى الشرق، لافتا إلى أنّ احتكاك العالم العربي بالإنتاج الفكري الغربي عرف مراحل مهمة، خصوصا مع التحوّلات التاريخية التي فتحت المجال أمام نقل المعارف والنظريات الجديدة.
وأضاف أنّ أهمية الترجمة تكمن كذلك في كونها وسيلة لفهم الآخر والتعرّف على ثقافته وحضارته وإمكاناته، مؤكّدا أنّ الشعوب أدركت منذ وقت مبكّر قيمة ترجمة العلوم والآداب والمعارف، سواء للاستفادة من تجارب الأمم الأخرى أو للتعريف بإنتاجها الفكري والثقافي خارج حدودها.
واستحضر البروفيسور دواس في هذا السياق، المكانة التي حظيت بها الترجمة في الحضارة العربية الإسلامية، لاسيما خلال العصر العباسي، عندما شهدت حركة الترجمة ازدهارا واسعا أسهم في نقل مؤلفات وعلوم ومعارف الأمم الأخرى، الأمر الذي ساعد، بحسبه، في إثراء الحياة الفكرية والعلمية وإحداث حركية معرفية واسعة.
وفي المقابل، يرى المتحدث أنّ واقع الترجمة في العالم العربي المعاصر لا يزال دون مستوى التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم، رغم وجود بعض المشاريع الجادة في عدد من الدول العربية، معتبرا أنّ حجم الإنتاج المترجم لا يزال محدودا مقارنة بالحاجة المتزايدة إلى مواكبة التطورات العلمية والفكرية والثقافية العالمية.
دعا البروفيسور دواس إلى التفكير بجدية في وضع حلول وآليات واستراتيجيات جديدة تعيد للترجمة مكانتها، مشيرا إلى الحاجة إلى مشاريع واسعة تهتم بترجمة التراث الفكري والأدبي والثقافي الجزائري إلى اللغات الأجنبية، بما يسمح بالتعريف بالمنجز الوطني وإيصاله إلى مختلف أنحاء العالم.
وأكّد أنّ الترجمة الناجحة لا تقاس بالدقة اللغوية وحدها، وإنما تقوم على تحقيق توازن بين الوفاء للنص الأصلي ومراعاة خصوصيات المتلقي في اللغة الهدف، موضّحا أنّ المترجم مطالب بإعادة إنتاج الأثر الجمالي والدلالي والثقافي للنص، مع الحفاظ على روحه وهويته.
وأضاف أنّ المترجم يحتاج إلى معرفة عميقة باللغتين والثقافتين، إلى جانب الإلمام بالسياق التاريخي والاجتماعي والحضاري للنص، حتى يتمكّن من اتخاذ الخيارات المناسبة أثناء عملية الترجمة، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بالنصوص الأدبية والفكرية التي تتضمّن إشارات ثقافية ورموزا وتعبيرات لا تقبل النقل الحرفي.
وفي هذا الإطار، أبرز دواس أنّ من أكبر الصعوبات التي تواجه المترجم الحفاظ على الخصوصية الثقافية للنص، خاصة عند التعامل مع الأمثال والحكم والصور البلاغية والتلاعب اللفظي والإيقاع والنبرة العاطفية، وهي عناصر يرى أنها تتطلّب حسّا نقديا وإبداعيا يتجاوز المعرفة بالقواعد اللغوية.
وأوضح أنّ المترجم يجد نفسه أحيانا أمام خيارين أساسيين، يتمثل الأول في الإبقاء على العناصر الثقافية الخاصة بالنص الأصلي، فيما يقوم الثاني على تكييفها مع ثقافة القارئ، مؤكّدا أنّ كلا الخيارين يفرض تحدياته الخاصة، وأنّ المطلوب هو إيجاد حلول تحفّظ جوهر النص دون تشويه دلالاته أو إفراغه من خصوصيته.
وعن مستقبل الترجمة في ظل الانتشار المتسارع للترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي، أكّد البروفيسور دواس أنّ التكنولوجيا أحدثت تحولا كبيرا في سرعة المعالجة والإنجاز، خصوصا في النصوص التقنية والإدارية والإخبارية، غير أنه استبعد أن تتمكّن الآلة بسهولة من تعويض الدور الإنساني في الترجمة الفكرية والثقافية والأدبية والإبداعية.
وقال إنّ ترجمة الشعر والقصة والرواية، على وجه الخصوص، تحتاج إلى حضور إنساني قادر على استيعاب المعاني الضمنية والإيحاءات الثقافية والنبرات الأسلوبية والرموز والأبعاد الجمالية للنص، وهي عناصر لا تختزل، بحسبه، في النقل الآلي للكلمات والجمل.
ويرى البروفيسور دواس أنّ مستقبل الترجمة سيتجه نحو التكامل بين الذكاء الاصطناعي والخبرة الإنسانية، بحيث تتولى التكنولوجيا المهام الروتينية التي تتطلّب سرعة في المعالجة، بينما يتفرّغ المترجم للمهام الفكرية والإبداعية التي تستدعي الفهم والتحليل والحسّ النقدي.
وخلص إلى أنّ الترجمة ستظل، رغم التحولات التكنولوجية، فعلا إنسانيا قائما على التواصل والتقارب وتجاوز الحواجز التي تفرضها اللغات، مؤكّدا أنّ تغيّر الأدوات والوسائل لن يلغي جوهرها باعتبارها جسرا يربط العقول والثقافات، وينقل المعرفة والفكر بين الشعوب في عالم يتجه نحو مزيد من الترابط والتنوع الثقافي.







