يرى البروفيسور أحمد بناني، أنّ الترجمة ليست مجرّد معبر هندسي محايد لنقل الألفاظ من ضفة لغوية إلى ضفة أخرى، بل هي اشتباك إبستمولوجي وجودي وفعل سيادي يفكّك حدود الانغلاق الحضاري، فاللّسان، يقول، “لا ينفصل أبدا عن مجاله التداولي والحضاري، والترجمة هي البوتقة التي يختبر فيها الكائن البشري حدوده الثقافية؛ فهي لا تقرّب بين لغتين فحسب، بل تصهر الرؤى الكونية، وتتيح للثقافات أن تتشرّب روح بعضها دون ذوبان أو استلاب، ممثلة بذلك الجسر بين خصوصية الجغرافيا الكونية وانفتاح الإنسانية الرحب”.
أكّد المختص في اللسانيات الأستاذ الجامعي بجامعة الحاج موسى أخاموك بتمنغست، البروفيسور أحمد بناني لـ«الشعب”، أنّ الترجمة لا تكتفي بإعادة إنتاج النص، بل تعيد هندسة الوعي في مرآة الآخر؛ لندرك أنّ كل فعل ترجمي واعٍ هو إعادة تموضع سيادي للهوية في خريطة المعرفة العالمية، وحراسة فذة للخصوصية ضدّ الانكفاء، وضمانة كبرى للانفتاح ضدّ الذوبان والاستلاب.
وأشار إلى أنّ الفعالية الكبرى للترجمة تجسّد في كونها الشريان الحيوي لتغذية الذاكرة الفكرية والعلمية للأمم، فحين تنتقل المعارف والعلوم والفلسفات والآداب عبر الأقلام والألسنة، تعمل الترجمة بوصفها “مختبرا لتوليد المفاهيم وتوطينها”، وفي الحقل المعرفي والأدبي، لا تقتصر الترجمة على نقل الأحداث والنظريات، بل تعيد إنتاج الأنساق الفكرية بأكملها في بيئة استقبال جديدة، ممّا يثري ـ بحسب المتحدث ـ حقول اللسانيات البينية، ويمنح المناهج التعليمية والبحثية روافد تجدّد دماءها باستمرار، فهي الأداة الاستراتيجية التي تقي الأمم من الجمود، وتجعل الفكر الإنساني ملكا مشتركا تتوارثه الأجيال، تماما كما تؤكّد الدراسات المعاصرة في تفاعل الحضارات، وبهذا المعنى، تصبح الترجمة الواعية خط الدفاع الأول عن حيوية الفكر؛ فلا أمة تتقدّم دون أن تمتلك سيادة على مصطلحاتها، ولا مجتمع ينهض إن ظل مستهلكا للمعرفة لا منتجا لها عبر بوابات التوطين والاشتباك الخلاق.
وفي هذا الشأن، عدّد المتحدث بعض ممّا تتميّز وتنفرد به الترجمة الناجحة، كقدرتها على تحقيق “الأمانة”: أمانة الحرف المكتوب وأمانة الروح النابضة، فالنص العظيم ليس ركاما من المفردات، بل هو كائن عضوي يتنفس ببيئته الثقافية، مضيفا أنّ الترجمة الناجحة هي التي تتجاوز النقل الميكانيكي الباهت؛ فهي تدرك تمام الإدراك كيف تتجاوز السقوط في فخ الحرفية القاحلة التي تغتال الروح، أو النقل الذي يمسخ النص الأصلي، فهي ترجمة تنطق بلسان لغة الوصول، وكأن النص وُلد وترعرع في رحمها، مع احتفاظه الكامل برائحة ونبض لغة المصدر استنادا إلى المعايير النقدية الرصينة، لتغدو الترجمة بذلك عملا إبداعيا موازيا؛ فلا هي استنساخ باهت يشوّه الأصل، ولا هي استقواء يُفقد النص هويته، بل هي ولادة ثانية تمنح الكلمات جناحين تعبر بهما حدود الزمان والمكان، لتبقى روح المعنى خالدة وإن تبدّلت الألسنة.
وفي سياق آخر، تطرّق بناني إلى الصعوبات التي تواجه الترجمة، والتي تكمن، بحسبه، في ترسّبات “المعنى الحائر” والتعقيدات السوسيو-أنثروبولوجية التي تختص بها كل ثقافة على حدة، فالتحدي الأكبر، في نظره، يبرز جليا عند نقل النصوص المحملة بالرموز المحلية، والإحالات البيئية، والبنى التعبيرية العميقة، كتلك المتعلقة بمجتمع “إيموهاغ” وموروثهم التارقي الصّحراوي، وهنا يقف المترجم عاجزا أحيانا أمام مفردات لا نظير لها في لغة الهدف؛ فكيف تنقل عبق الصحراء ورمزية الرمال والأفق المفتوح دون أن تتبخّر تلك الخصوصية؟ وأوضح أنّ الصعوبة تكمن في كون المترجم مطالبا بأن يكون “ناحتا معرفيا” يمتلك حساسية فنية نافذة لترويض المستعصي من الدلالات، وحينها يتيقّن المترجم أن نقل الثقافة أشق بكثير من نقل اللغة؛ فالكلمات متوافرة في المعاجم، أمّا عبق الرمال ونبض الهوية فلا يُترجمان بالأبجدية، بل بالانغماس الوجودي في ذات البيئة، ليعود المترجم حاملا جوهر المعنى لا رماده.
ليختتم أحمد بناني حديثه بتأكيده أنّ أخطر ما يواجه الوعي المعاصر هو ذلك الاطمئنان الساذج لقدرة الخوارزميات الآلية على حسم معركة المعنى، فالذكاء الاصطناعي، مهما تضخّم حجم بياناته وسرعة معالجته الإحصائية، يظل “حاسبا أصمّا” يعجز تماما عن تذوّق “حيثيات المعنى الحائر” بين الثقافات، لأنه يفتقر إلى الحدس البشري، والوجدان التاريخي، والعمق السوسيولوجي، فالخوارزميات تنقل الألفاظ ولا تعانق المعنى، وتحصي الكلمات ولا تدرك أسرار الوجود؛ وحين نركن إلى الوهم الآلي ونتخلّى عن تكوين المترجم الإنسان، فإننا نسلّم مفاتيح ذاكرتنا لآلة صمّاء، متناسين أنّ عمق الهوية وبصيرة الوجدان البشري، هما الحصن الأخير الذي لا تستطيع برمجة أن تحاكيه أو تستبدله.
يقول بناني إنّ مستقبل الترجمة لن يكون للآلة، بل للمترجم الموسوعي الواعي الذي يتّخذ من تقنيات العصر مطية ورافعة لإنتاجيّته، لا سيما حين يتعلق الأمر بنصوص تنبض بروح الأمة وذاكرتها، فالآلة تترجم “مفردات الجسد اللغوي”، بينما الإنسان وحده هو من يترجم “نبض الأرواح وعمق الحضارات”، ويبقى العقل البشري هو الحارس الوحيد لسيادة المعنى وحرمة الذاكرة.







