حضرت الترجمة في جوانب مختلفة من الحياة الثقافية والمعرفية في الجزائر، من الكتاب إلى الجامعة، ومن الأدب إلى البحث العلمي، ورافقت حركة النشر والتعليم وتداول الكتب والمراجع بين اللغات.
بفضل الترجمة، تمكّن القارئ من الاطّلاع على أعمال وتجارب فكرية وأدبية وعلمية من خارج محيطه اللغوي، كما انتقلت كتابات جزائرية إلى لغات أخرى ووصلت إلى قراء خارج البلاد.
فرض الدور على الترجمة التعامل مع نصوص مختلفة في طبيعتها وأسلوبها، وهو ما يجعل مهمة المترجم أبعد من استبدال الكلمات بلغة بأخرى، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بالأدب والتعبيرات المرتبطة بخصوصية المجتمع. وفي وقت دخلت فيه الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، تتغيّر أدوات العمل وتتجدّد الأسئلة حول الدقة ودور المترجم وحدود التقنية.
ساهمت الترجمة على مدار عقود في إتاحة الكتب والأعمال الأدبية والفكرية والعلمية المكتوبة بلغات مختلفة أمام القارئ الجزائري، واستفاد منها الطلبة والباحثون في الوصول إلى المراجع الأجنبية، كما استفادت منها حركة النشر التي وجدت فيها وسيلة لإتاحة أعمال جديدة للقراء.
وتداخل هذا المسار مع الواقع اللغوي في الجزائر، حيث حضرت العربية والأمازيغية والفرنسية في الحياة الثقافية والتعليمية، قبل أن يتوسّع الاهتمام بلغات أخرى، خاصة الإنجليزية. وفرض هذا التنوّع التعامل مع نصوص ومراجع متعدّدة، سواء في الجامعة أو في قطاع النشر والمجال الثقافي.
وفي اتجاه الآخر، انتقلت أعمال جزائرية إلى لغات مختلفة، من الرواية والشعر إلى الدراسات والكتب الفكرية، وهو ما فتح أمام بعض الكتاب فرصة الوصول إلى قرّاء خارج المحيط اللغوي المحلي.
حين لا تكفي ترجمة الكلمات
تختلف مهمة المترجم باختلاف النص الذي يتعامل معه، ففي الكتاب العلمي أو التقني، تبرز أهمية المصطلح والدقة، بينما يحتاج النص الأدبي إلى عناية أكبر بالأسلوب والصورة والإيقاع والدلالة.
وتزداد المهمة تعقيدا عندما يحمل النص إشارات إلى البيئة التي كتب فيها، مثل الأمثال والتعابير الشعبية والعادات أو أسماء الأماكن والشخصيات، فالترجمة الحرفية قد تنقل الكلمات، لكنها لا تضمن دائما نقل المعنى الذي أراده الكاتب، لذلك يحتاج المترجم إلى فهم النص وسياقه قبل اختيار الصياغة المناسبة في اللغة الأخرى.
وتطرح هذه المسألة أهمية التكوين، خصوصا بالنسبة إلى من يعملون في مجالات متخصّصة. فالمترجم القانوني أو الطبي أو التقني، مثلا، يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمصطلحات المتداولة في مجاله، إلى جانب تمكّنه من اللغتين.
وتحضر الترجمة أيضا في الجامعة، سواء من خلال التخصّصات التي تدرسها المؤسّسات الجامعية أو عبر البحوث والدراسات والمراجع الأجنبية التي يحتاج إليها الطلبة والأساتذة، كما ترتبط بحركة النشر التي تتيح للقراء أعمالا من لغات وثقافات مختلفة.
الذكاء الاصطناعي يدخل المجال
فرضت التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة أدوات جديدة على الممارسة، في مقدمتها برامج الترجمة الآلية التي أصبحت قادرة على معالجة النصوص في وقت قصير. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، توسّعت هذه الأدوات لتشمل اقتراح الصياغات، والبحث عن المصطلحات، ومراجعة النصوص والتعامل مع كميات كبيرة من المحتوى.
وقد سهل ذلك جوانب من العمل، خاصة في الحصول على مسودة أولية أو التعامل مع نصوص طويلة، لكنه لم ينه الحاجة إلى المراجعة البشرية، فبعض العبارات لا يمكن فهمها خارج سياقها، وبعض النصوص الأدبية تعتمد على دلالات وإيحاءات لا تنقلها الترجمة الآلية بالضرورة بالشكل نفسه.
وهنا يبرز دور المترجم في مراجعة ما تنتجه هذه الأدوات، وتصحيح الأخطاء واختيار التعبير الأقرب إلى المعنى المقصود، وتصبح هذه المهمة أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بنص أدبي أو ثقافي، أو بمادة متخصّصة تحتاج إلى مصطلحات دقيقة.
ومن شأن هذه الأدوات أن تساعد أيضا في تسهيل تداول الإنتاج الجزائري خارج البلاد، خصوصا مع اتّساع النشر الإلكتروني وإمكان الوصول إلى قراء من بلدان مختلفة، لكن حضور الكتاب الجزائري في لغات أخرى يبقى مرتبطا أيضا بالمشاريع الثقافية، ودور النشر، وتوفّر مترجمين قادرين على نقل النص دون الإخلال بخصوصيته.
في المقابل، تفتح الترجمة أمام القارئ الجزائري نافذة على كتب وأفكار وتجارب من لغات وثقافات متعدّدة، وهو ما يجعلها حاضرة في مجالات تتجاوز الأدب إلى التعليم والبحث العلمي ومختلف التخصّصات.
ومع التطور الذي يعرفه هذا المجال، تبدو الحاجة قائمة إلى تطوير تكوين المترجم والاستفادة من الأدوات الحديثة دون التعامل معها كبديل عن العمل البشري. فالمطلوب في النهاية ليس نقل الكلمات فقط، وإنما إيصال المعنى بدقة والحفاظ، قدر الإمكان على خصوصية النص.






