أكد المخرج المسرحي عبد القادر عزوز أن السينوغرافيا شهدت تطورا إبيستمولوجيا متواصلا في تاريخ المسرح المعاصر؛ حيث انتقل من حدود التزيين الديكوري والمحاكاة البصرية إلى علم وفن قائم بذاته يُعنى بـ»هندسة الفضاء المسرحي»، حيث لم تعد السينوغرافيا مجرد حيز مكاني تُحرك فيه الشخصيات، بل أصبحت بنية دراماتورجية أساسية تتكافأ في أهميتها مع النص الأكاديمي وأداء الممثل، بل قد ترتكز عليها بعض العروض كليا لترجمة الطروحات الفكرية والدلالية عبر لغة الصورة والرمز.
يرى المخرج المتوّج بالعديد من الجوائز الوطنية والدولية عزوز عبد القادر في حديثه لـ «الشعب» أن التناول الإبيستمولوجي لوظيفية السينوغرافيا في العرض المسرحي المعاصر، يتجاوز المفهوم التزييني الكلاسيكي باعتبارها مجرد «خلفية جمالية»، إلى كونها نصا بصريا وعنصرا سرديا محوريا يتكامل مع النص والأداء التشخيصي، كما يُسلط الضوء على آليات توظيف الموروث الثقافي والبيئي للصحراء الأمازيغية كمرجعية أنثرو-سينوغرافية، ويناقش أثر تشكيل الفضاء على إدماج المتلقي حسيا وشعوريا، وصولا إلى ضبط حدود استخدام التقنيات الرقمية والحديثة دون المساس بهوية الفن المسرحي.
وفي نفس السياق، عدّد المتحدث بعض العناصر المكوّنة للسينوغرافيا، التي تتشكل من منظومة متكاملة من العناصر التي تتجاوز الوظيفة النفعية المباشرة لتؤدي أدوارا دلالية وسردية داخل الحكاية المسرحية، على غرار هندسة الفضاء والمكان والمنظومة الضوئية والديكور والإكسسوارات والملابس (الأزياء)..
وفي سياق آخر، يرى عزوز أن أصالة التجربة المسرحية تتأكد حين تنفتح السينوغرافيا على الهوية المحلية، وتحديدا عبر استحضار «الموروث الثقافي والبعد العفوي للبيئة الصحراوية الأمازيغية»، حيث يتجلى هذا بالتوظيف من خلال استغلال المفردات البيئية، واستثمار الفضاء العفوي، وديناميكية التلقي والاندماج الحسي للمتلقي، بحيث تتجاوز السينوغرافيا الحديثة جدار الفصل بين الخشبة والصالة، لتصنع تجربة تفاعلية تُشرك المتلقي في الفضاء الجمالي للعرض، وتأطير المشاعر بالفضاء، المحاكاة الحسية.. أين يسهم التوظيف الذكي للإضاءة والألوان (كالتدرجات الحرارية التي توحي بالدفء أو الهجير الصحراوي) في جعل المتلقي يتفاعل حسيا مع الظروف البيئية والنفسية المعروضة على الخشبة.
ليؤكد عزوز عبد القادر في الأخير أن السينوغرافيا تظل البنية المفهومية والرؤيوية التي تُترجم الفكرة إلى لغة بصرية مجسدة، حيث إن الانطلاق من الموروث التراثي الصحراوي الأمازيغي يوفر للسينوغرافيا أفقا أصيلا وغنيا بالرموز، بينما يمنحها الانفتاح الحذر على التقنيات المعاصرة أدوات تعبيرية متجددة، وبين الأصالة والتحديث، تبقى السينوغرافيا العنصر السردي الذي يعيد تشكيل وعي المتلقي ويجعله شريكا أساسيا في صناعة المعنى المسرحي.


