أكد الدكتور مراد ترغيني أن السينوغرافيا في المسرح المعاصر تجاوزت وظيفتها التقليدية المرتبطة بتزيين الفضاء الركحي أو توضيح بيئة الأحداث، لتتحوّل إلى نظام من العلامات البصرية يساهم في بناء المعنى إلى جانب النص والحوار، مبرزا أهمية الضوء واللون والفضاء ومواد الديكور في صياغة لغة بصرية خاصة بالعرض المسرحي.
أوضح الدكتور ترغيني، في تصريح لـ»الشعب»، أن السينوغرافيا أصبحت جزءا أساسيا من عملية إنتاج الدلالة، باعتبار أن عناصرها تشكل «لغة بصرية» تتلقاها عين المتفرج وتفكك رموزها، مشيرا إلى أن الضوء يمكن أن ينحت جغرافيا الجسد ويقسم الزمن الركحي، فيما تساهم الألوان والظلال في تعميق الأبعاد النفسية للشخصيات وفلسفة العرض.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن اختيار بقعة ضوئية بيضاء وباردة تسقط عموديا على ممثل يقف وسط فضاء ركحي معتم وشاسع، في عرض يتناول العزلة والمساءلة الذاتية، يمكن أن يجسد بصريا مفهوم «السجن الداخلي» والضياع الوجودي، بما يعزز المعنى دون الحاجة إلى الإكثار من الحوارات الشارحة.
كما شدد المتحدث على أن اختزال السينوغرافيا في بعدها التزييني «يعد تقليلا من طبيعتها ووظيفتها»، كونها تندرج ضمن ما يعرف بـ»الدراماتورجيا البصرية» أو الكتابة بالفضاء، حيث تتحول إلى فاعل درامي يشارك في سرد الأحداث والكشف عن التحولات النفسية والزمنية التي قد لا يقولها النص بشكل مباشر، مضيفا أن الفضاء المسرحي بإمكانه أن يتطور ويتفكك ويتغير بالتوازي مع الصراع الدرامي، مستشهدا بتجارب مسرحية وظفت الجدران والمواد والإضاءة للتعبير عن الانتقال بين الحاضر والذاكرة، بما يجعل السينوغرافيا وسيلة للسرد البصري.
وبخصوص علاقة السينوغرافيا بالجمهور، يرى الدكتور ترغيني أن العروض المعاصرة تتجه أكثر نحو تجاوز «الجدار الرابع» وإقامة بيئات تفاعلية وانغماسية تجعل المتفرج طرفا متورطا في الحدث، من خلال إعادة تنظيم الفضاء وتوزيع الإضاءة والصوت وحركة الممثلين داخل محيط الجمهور.
وفيما يتعلق بالتكنولوجيا، اعتبر أن تقنيات الإسقاط الرقمي ورسم الخرائط الضوئية ثلاثية الأبعاد والهولوغرام والواقع الافتراضي يمكن أن تثري السينوغرافيا، شريطة أن تظل في خدمة الفعل المسرحي، مؤكدا أن جوهر المسرح يبقى قائما على «الحضور الحي والمباشر» بين الممثل والجمهور، وألا تتحوّل التكنولوجيا إلى استعراض بصري يهمّش جسد الممثل وحرارة اللقاء الإنساني.


