رقمنة الأفلام ليست بديلا لأصولها والفهرسة أولوية ضرورية
أكّد الباحث والمهتم بالأرشيف السينمائي عبد الرؤوف بن أحمد، أنّ الذكاء الاصطناعي أتاح إمكانات جديدة في مجال ترميم الأفلام وحماية الذاكرة البصرية، من خلال معالجة الأضرار وتحليل الصور وتسهيل الوصول إلى الوثائق، غير أن هذه التقنيات لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإعادة صياغة الأعمال القديمة وفق المعايير الجمالية المعاصرة، لأن الترميم في جوهره هو الحفاظ على أصالة الوثيقة السينمائية.
أوضح بن أحمد في تصريح لـ «الشعب»، أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على المساعدة في اكتشاف الخدوش والغبار وتقليل الضوضاء وتحليل الصور، غير أن امتلاك هذه الإمكانات لا يعني استخدامها دون ضوابط، مشددا على أن «التكنولوجيا يجب أن تبقى في خدمة الوثيقة، وليس العكس».
ويرى بن أحمد أنّ الترميم يختلف عن تحسين الصورة وفق مقاييس العصر، إذ إن بعض الخصائص الموجودة في الأفلام القديمة، مثل الحبيبات الفيلمية وآثار المعالجة الكيميائية وبعض خصائص التصوير والطباعة، لا تمثل بالضرورة أضرارا ينبغي التخلص منها.
في هذا السياق، حذّر محدّثنا من أن تؤدّي تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى جعل الأفلام أكثر حدة ونقاء، أو تغيير ألوانها، أو رفع معدل إطاراتها، أو إعادة بناء تفاصيل لم تكن موجودة في النسخة الأصلية، موضّحا أن النتيجة قد تكون صورة أكثر نظافة وفق معايير اليوم، لكنها قد تبتعد – في المقابل – عن الشكل التاريخي للعمل، وأشار إلى أن المرجع في عملية الترميم ينبغي أن يكون المادة الأصلية والبحث التاريخي والنسخ المرجعية المتوفرة، إلى جانب الاحتفاظ بالمسوحات الخام وتوثيق مختلف التدخلات والقرارات المتخذة أثناء العملية، بما يسمح بالعودة إليها ومراجعتها مستقبلا
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي – حسب بن أحمد – على ترميم الأفلام، بل يمكن أن يساهم أيضا في تنظيم الأرشيف السينمائي وتسهيل وصول الباحثين والجمهور إليه، من خلال التعرف على النصوص داخل الوثائق، وتحويل التسجيلات الصوتية إلى نصوص قابلة للبحث، والمساعدة في التعرف على الأشخاص والأماكن والموضوعات.
ويتصوّر الباحث إمكانية إنشاء منصات أرشيفية ذكية تتيح البحث باللغة الطبيعية عن مواد مرتبطة بموضوع أو فترة زمنية معينة، كالبحث عن صور للحياة الثقافية في منطقة ما خلال فترة محددة، أو العثور على أفلام هواة مصورة بتقنيات قديمة، غير أن هذه الإمكانات تبقى مرتبطة بوجود أرشيف منظم ومفهرس.
في هذا الصدد، لفت محدّثنا إلى أنّ الذكاء الاصطناعي لا يستطيع استخراج المعرفة من مواد لم يتم وصفها وتوثيقها بالشكل الكافي، ما يجعل جرد الأرشيف ومعرفة أماكن وجوده وحالته الفيزيائية خطوة أساسية تسبق إدخال التقنيات الذكية.
وتستند هذه الرّؤية إلى تجربة بن أحمد في مجال الأرشيف السينمائي إلى عام 2015، ضمن الجمعية الثقافية «الزيتونة» بغليزان، حيث عمل على جمع وثائق سينمائية وأيقونوغرافية مرتبطة بتاريخ السينما في المنطقة، واسترجاع عدد من المواد بالتعاون مع باحثين وأرشيفيين ومؤسسات داخل الجزائر وخارجها، كما تعزّزت هذه التجربة بتكوين في مجال ترميم الأفلام بالمدرسة الصيفية لترميم الأفلام في بولونيا، إلى جانب تواصله مع الاتحاد الدولي لأرشيف الأفلام وتعاونه مع مبادرات ومؤسسات أرشيفية وسينمائية في عدد من الدول الأوروبية.
وفي ختام تصريحه، شدّد بن أحمد على أن الرقمنة لا يمكن أن تكون بديلا عن حفظ الأصول، وأنّ حماية الذاكرة السينمائية تتطلب جرد الأرشيف وفهرسته وتكوين المختصين، معتبرا أن السؤال لا يتعلق بما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، وإنما بما ينبغي فعله حتى تصل الأفلام إلى الأجيال المقبلة بوصفها وثائق تاريخية، لا صورا أعيد تشكيلها وفق ما نريد أن نراه اليوم.







