بوطاجـين: نصــوص كثــيرة تكتفــي بســـرد الحكاية وتُهمــل الأسئلـــة الفلسفيــة والفكريـــة
بن تومـي: النقـــد الجزائـري يعيــش حالـــة اغـــتراب عـــن مرجعياتـــه الثقافيــــة والتاريخيـة
حطـــاب: تدفــــق المعلومــات السريــع كــرّس محتـوى استهلاكيـــا يراهـــن علـى الإبهــار اللحظـي
قواسميــــة: الرهــــان علـى صدمـــة الممنـوع والزوائـــد السرديــة يكشــف هشاشــة المــــتن الأدبـــي
احتضنت مدينة سطيف ندوة معرفية حول «روح النقد الأدبي»، نظّمها مركز الشهاب، بمشاركة أساتذة وباحثين ناقشوا إشكاليات النقد الأدبي في الجزائر، وعلاقته بالمناهج الغربية وخصوصية النص المحلي، إلى جانب دور القراءة في إنتاج المعنى ومواجهة التسطيح المعرفي في ظلّ التحولات الرقمية.
وتناولت المداخلات واقع النقد الروائي وحدود الأدوات المنهجية في تحليل النصوص، وضرورة استعادة الأبعاد الفكرية والثقافية للعمل الأدبي بما يفتح النقاش حول العلاقة بين الإبداع والنقد والقارئ، فقد توقف الناقد والروائي السعيد بوطاجين عند هيمنة الرواية على بقية الأجناس الأدبية، متسائلا عما إذا كانت قد أصبحت مرادفا للأدب، وما إذا كانت الرواية الجزائرية قادرة على تمثيل الثقافة الوطنية بمختلف تعبيراتها في ظلّ تراجع حضور المسرح والشعر والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا.
ورأى بوطاجين أن اختزال المشهد الثقافي في جنس واحد يستدعي المراجعة، مشيرا إلى أن بعض النصوص التي تصنف روايات لا تتوافر، في تقديره، على التقنيات السردية الكافية وتقترب أكثر من الانطباعات أو المذكرات والسير، وأوضح أن اهتمامه ينصب أساسا على الجوانب السردية والتقنية والدلالية بعيدا عن المسائل اللغوية التي يتركها للمتخصصين.
وفي حديثه عن مفهوم «معرفة السرد وسرد المعرفة»، أكد بوطاجين أن الرواية تقوم على مستويين متكاملين؛ أولهما أفقي يتعلق بالحكاية وأحداثها وشخصياتها، وثانيهما عمودي يتصل بالأبعاد الفلسفية والبلاغية والدلالية، واعتبر أن الإشكال في بعض النصوص الروائية يتمثل في الاكتفاء بسرد الأحداث دون تعميق أسئلتها الإنسانية والفكرية، بما يجعل القارئ ينهي الحكاية دون أن تظلّ في ذهنه أسئلة تستحق التأمل.
واستشهد المحاضر بصورة الجبل الجليدي المنسوبة إلى إرنست همنغواي حيث لا يظهر سوى جزء من الكتلة، بينما يظلّ الجزء الأكبر مغمورا، معتبرا أن ما لا يقوله النص مباشرة قد يكون مصدر عمقه وقيمته.
وانتقد بوطاجين الإطالة في بعض الروايات التي تبلغ مئات الصفحات دون أن تضيف تفاصيلها قيمة حقيقية إلى العمل، مشدّدا على أهمية الاقتصاد اللغوي بوصفه اختيارا لما يستحق أن يقال، لا مجرد تقليل للكلمات. فالتعبير المكثف – يقول – يمنح القارئ مساحة للمشاركة في بناء المعنى، بدلا من شرح كل تفصيل بصورة مباشرة.
وفيما يتعلّق بالمناهج النقدية، سجّل ملاحظة بشأن الدراسات التي تكتفي بتحديد أنواع الرواة ومستويات السرد وإيقاعه، دون البحث في دلالات هذه الاختيارات وأسباب لجوء الكاتب إليها. وأكد أن الاستفادة من السيميائيات وأعمال غريماس وجيرار جنيت لا ينبغي أن تتحوّل إلى تطبيق آلي للمصطلحات بل يفترض أن تقود إلى فهم أعمق للنص، واستعاد – في هذا السياق – موقفين من تجربته الثقافية، يتعلق الأول بندوة حول أعمال الطاهر وطار، والثاني بتكريم مرزاق بقطاش، حيث أبدى الروائيان صعوبة في استيعاب بعض القراءات النقدية المقدمة حول أعمالهما.
ورأى بوطاجين أن الواقعتين تبرزان الهوة التي قد تنشأ بين لغة المناهج الأكاديمية وتجربة الكاتب الإبداعية، وتطرحان أسئلة حول قدرة المصطلحات والمقاربات النظرية على الإسهام في فهم النص، بدل أن تصبح غاية في حدّ ذاتها.
وخلص بوطاجين إلى أن تطوير الممارسة النقدية يقتضي إعادة النظر في العلاقة بين التقنيات السردية والدلالات التي تنتجها، وبين المناهج والنصوص التي تشتغل عليها. فالتحدي، بحسبه، لا يكمن في استعراض المصطلحات أو تصنيف أشكال السرد، وإنما في فهم أعمق للنص والكشف عما ينطوي عليه من أسئلة ومعارف وأبعاد إنسانية وفلسفية.
النقد الجزائري بين المرجعيات وسؤال الهوية
من جهته، تناول الدكتور اليامين بن تومي إشكالية اغتراب النقد الجزائري عن مرجعياته الثقافية والتاريخية، متسائلا عن مدى انسجام المناهج المعتمدة مع خصوصية النص المحلي. وأشار بن تومي إلى أن بعض الدراسات والنصوص الإبداعية تبدو منفصلة عن محيطها التاريخي، حتى عندما تتناول شخصيات وقضايا جزائرية، كما توقف عند مسار تشكّل النقد الجزائري الحديث الذي تأثر بمرجعيات مشرقية لدى الباحثين الذين درسوا في مصر، وبالمناهج الأوروبية لدى الذين درسوا في فرنسا. واعتبر أن هذا التوزّع بين مرجعيتين أسهم في تشكيل الممارسة النقدية، دون أن يفضي بالضرورة إلى بناء تصور يستجيب لخصوصية التجربة الجزائرية.
وعرّف بن تومي الاغتراب النقدي بأنه انفصال الناقد عن وعيه التاريخي وقضايا مجتمعه، مستحضرا أفكار جورج لوكاتش بشأن العلاقة بين الأشكال الأدبية والواقع الذي ينتجها، ورأى أن تراكم الدراسات والرسائل الجامعية لم ينه الإشكال المتعلق بمدى ملاءمة الأدوات النقدية للنصوص المدروسة خاصة عندما تنشأ تلك الأدوات في سياقات ثقافية وتاريخية مختلفة.
وقارن بن تومي بين نظرية المحاكاة في الفكر الغربي والتصورات النقدية العربية، موضحا أن المحاكاة أسهمت في تشكيل آليات التحليل البنيوي والسيميائي من خلال دراسة الفعل والرغبة والعلاقات بين الشخصيات. غير أن الاقتصار على تفكيك هذه العناصر قد يحجب الأبعاد الإنسانية والتاريخية للنص.
وفي المقابل، دعا المحاضر إلى إعادة النظر في التراث النقدي العربي، متوقفا عند نظرية الإعجاز وما تتضمنه من أبعاد لغوية وبلاغية وأخلاقية وثقافية، باعتبارها جزءا من المنظومة المعرفية التي تشكّلت داخل الثقافة العربية، كما ربط نشأة الرواية بالتحولات الاجتماعية والفكرية التي عرفها الغرب، مستحضرا تصور هيغل للرواية بوصفها ملحمة برجوازية منقوصة، للدلالة على التحوّل في علاقة الفرد بالعالم وصراعه مع محيطه.
وشدّد بن تومي على أن الإشكال لا يكمن في رفض المناهج الغربية أو التقليل من قيمتها، بل في ضرورة تجاوز التطبيق الآلي لأدواتها وعدم الاكتفاء باستخراج البنى والمربعات السيميائية والعلاقات بين الشخصيات. فالنقد – يقول بن تومي – ينبغي أن يتجاوز الإجراءات التقنية إلى مساءلة الأفكار والقيم والتصورات التي يحملها النص، بما يسمح ببناء قراءة مرتبطة بالوعي التاريخي والثقافي للتجربة الجزائرية.
مواجهة التمييع المعرفي
أما الدكتورة حنان حطاب، فتناولت في مداخلتها الموسومة بـ«المقاومة القرائية.. سؤال المعنى في زمن التمييع المعرفي» العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ، متسائلة عن حدود الحرية الإبداعية ومسؤولية القراءة النقدية في ظل انتشار المنصات الرقمية واتساع فضاءات التعبير. وانطلقت من سؤالين أساسيين؛ أولهما يتعلق بمدى اعتبار الكاتب كل مساءلة لنصه مساسا بحريته، وثانيهما يرتبط بحدود سلطة القارئ في التأويل والحكم على الأعمال الأدبية. وأوضحت حطاب أن هذه الإشكالات تتصل بتحولات أوسع مسّت علاقة الإنسان بالمعرفة وأنماط التلقي.
واعتبرت حطاب أن الثورة المعلوماتية رغم ما أتاحته من إمكانات للوصول إلى المعلومات، أسهمت في انتشار محتوى سريع الاستهلاك، يراهن على الانبهار اللحظي والإثارة بدل التعمق والفهم. كما أشارت إلى دور الخوارزميات ومواقع التواصل الاجتماعي في توجيه الذوق العام من خلال منح الأولوية للمشاهدة والتعليق والانتشار، وهو ما قد يدفع بعض المنتجات الثقافية إلى الاهتمام بالعناوين المستفزة والصور الصادمة على حساب القيمة الفكرية والجمالية، واستحضرت أفكار جان بودريار بشأن تدفق المعلومات وتبدّد المعنى، إلى جانب ما طرحه آلان دونو في كتابه «نظام التفاهة»، معتبرة أن سهولة إبداء الأحكام عبر المنصات الرقمية لا تعني بالضرورة امتلاك أدوات القراءة النقدية. كما لفتت إلى أن إخفاء الهوية في الفضاء الرقمي قد يفتح المجال أمام التجريح الشخصي، بما يخلط بين حرية التعبير والنقد المسؤول.
وأمام هذه التحولات، طرحت حطاب مفهوم «المقاومة القرائية» باعتباره ممارسة تتجاوز الاستهلاك السلبي للنصوص إلى تفكيك بنياتها والكشف عن دلالاتها المعلنة والمضمرة وما تنطوي عليه من أفكار وخطابات. فالقراءة، وفق تصورها، لا تقتصر على تذوق الجماليات، بل يمكن أن تصبح وسيلة لمساءلة الأنساق الفكرية التي تتخفى داخل الأعمال الإبداعية.
وتوقفت حطاب عند التحوّلات التي عرفتها نظرية القراءة، وانتقال القارئ من موقع المتلقي السلبي إلى المشارك في إنتاج المعنى، في ضوء النقاشات المرتبطة بموت المؤلف. وأكدت في السياق ذاته أن هذا التحوّل لا يلغي دور الكاتب ولا يمنح القارئ سلطة مطلقة في التأويل، وإنما يبرز أهمية التفاعل بين النص ومرجعيات المتلقي الثقافية والفكرية، وخلصت إلى أن المعنى يتشكّل عبر القراءة وتعدّد التأويلات وأن مسؤولية القارئ تقتضي العودة إلى النص والتعمق في دلالاته، بعيدا عن الأحكام المتسرّعة والاستهلاك العابر بما يجعل القراءة ممارسة معرفية واعية تسهم في استعادة العمق الفكري والجمالي للأدب.
بريق التسويق وعمق النص الأدبي
وفي السياق ذاته، جاءت مداخلة المترجم والمدقق اللغوي عَمّار قواسميّة المعنونة بـ«عِيارُ التّلَقّي: حَفرٌ في أدبِ الواجِهة» لتمثل امتدادا عميقا لهذه المساءلة النقدية؛ حيث انطلق من منطقة التماس بين التدقيق اللغوي بوصفه صرامة معيارية، والنقد الأدبي بعَدّه ممارسة تفكيكية، ليضع ما أسماه “أدب الواجهة” على محك التشريح والمساءلة.
واعتبر قواسمية أن “أدب الواجهة” هو نتاج لسوسيولوجيا التسويق والتلميع الإعلامي، حيث يتحوّل الأديب من صانع للمعنى إلى صانع للانطباع. وأوضح أن هذا الأدب يتسّم بالهشاشة ويخشى المواجهة النقدية الحقيقية؛ لأنه يرتكز على رأس المال الإعلامي والعلاقات العامة بدلا من المتانة الذاتية للنص، كما أشارَ إلى أن كثيرا من صنّاع الأدب يزهدون في العناية باللغة لصالح تسليع الفكرة واسترضاء الذائقة الغربية عبر “الاستشراق الذاتي”، فيكتبون بلغة مسطحة ومفرغة من البلاغة العربية لسهولة ترجمتها وتمريرها، مراهنين على صدمة الممنوع والفضلة السردية والتضخم العاطفي بدلا من الجودة التركيبية والعمق الفكري.
وفي مقابل هذا الانكشاف، وضع قواسمية “عيار التلقي” في مواجهة هذه الظاهرة من خلال التمايز الحاد بين عينات من أدب الواجهة وأخرى من أدب الجوهر والالتزام؛ مبينا كيف يسقط الترهل اللغوي والسجع التجاري والصدمة المجانية أمام كثافة اللغة ونبلها عند رواد الأدب الملتزم (جزائريّا وعربيّا وعالميّا)، والذين أثبتوا أن الخلود الأدبي لا يحتاج إلى زوائد سردية ولا إلى لغة خادشة ليزلزل كيان المتلقي.
وسلّط قواسمية الضوء على الهامش النبيل، داعيا إلى إنصاف التجارب الشبابية المهمّشة – لا سيما في الجزائر- التي تصدر بعيدا عن أضواء العاصمة والمهرجانات الرسمية، وتكتب بنص محبوك لغويّا يزن الكلمة بميزان الجوهر ويعيد للعربية هيبتها ورصانتها.
وأعقبت المداخلات نقاشات واستفسارات بين المحاضرين والحضور، أتاحت الفرصة لتبادل الآراء وطرح تساؤلات إضافية حول واقع النقد الأدبي في الجزائر، ومناهجه، والرهانات التي تواجهه في قراءة النصوص ومواكبة التحولات التي تعرفها الكتابة الأدبية. كما أسهمت هذه النقاشات في إثراء محاور اليوم الدراسي، من خلال تقريب الطروحات النظرية من انشغالات المشاركين وفتح المجال أمام وجهات نظر مختلفة بشأن سبل تطوير الممارسة النقدية وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي.




