في كلّ شعبٍ أشياءُ كثيرة يمكن أن تُنسى، وأشياءُ أخرى لا يجوز لها أن تُنسى؛ لكنّ الشعوب التي تعرف قيمة ذاكرتها لا تترك تراثها للمتاحف وحدها، ولا تحصره في ثوبٍ مطرّز، أو أغنيةٍ قديمة، أو حجرٍ عتيق. التراث، في جوهره، هو ذلك الجزء العميق من الروح الذي ينتقل من يدٍ إلى يد، ومن صوتٍ إلى صوت، ومن جدّةٍ تجلس عند عتبة البيت إلى حفيدٍ لم يولد بعد.
وفي فلسطين، تبدو الحكاية أكثر التصاقا بالإنسان..
هنا لا تستطيع أن تفصل شجرة الزيتون عن صاحبها، ولا المفتاح عن البيت، ولا الأغنية عن المكان، ولا التطريز عن المرأة التي كانت تخيط في ثوبها شيئا من حياتها، ولا الخبز عن يدٍ عجنت طحين القمح كما لو أنها تعجن ذاكرة العائلة كلها.
التراث الفلسطيني ليس ماضيا محفوظا في صندوق..
إنه حاضرٌ يتنفّس.
هو في رائحة الخبز الخارج من الطابون، وفي فنجان القهوة الذي يُدار في مجلس الضيوف، وفي أمثالٍ شعبية ظلّت أقدر على وصف الحياة من كثير من الكتب، وفي أسماء الحارات والينابيع والجبال، وفي الأغاني التي كانت تعرف طريقها إلى القلب قبل أن تعرف طريقها إلى الأذن.
وهو، قبل ذلك وبعده، في اللغة.
فالكلمة نفسها قد تكون قطعة من التراث.
حين يقول فلسطيني: دارنا، فهو لا يقصد أربعة جدران فقط. وحين يذكر اسم حارته القديمة، أو ينادي أمّه بلفظٍ ورثه عن أبيه، أو يستعيد مثلا سمعه من جدته، فإنه لا يستعمل اللغة فحسب؛ بل يستدعي طبقاتٍ من الزمن.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للتراث ليس أن يسقط حجرٌ قديم، ولا أن يختفي ثوبٌ مطرّز، ولا أن تموت أغنية؛ أخطر ما يحدث هو أن ينقطع الخيط الذي يصل الإنسان بما كان.
فالتراث لا يعيش لأننا نصوّره.
يعيش لأننا نرويه.
وما أجمل أن يكون شعار هذا اليوم:
«تراثنا باقٍ ما بقيت الحكاية».
إنها جملة تتجاوز الاحتفال إلى مسؤولية.
لأن الحكاية حين تنتقل إلى الجيل الجديد لا ينبغي أن تصل إليه كما وصلت إلينا فحسب؛ عليه أن يفهمها، ويسأل عنها، ويضيف إليها، ويحفظ جوهرها، ثم يسلّمها إلى من يأتي بعده.
فالتراث ليس أن نعيش في الماضي، وإنما أن نحمل أجمل ما في الماضي ونحن نمضي إلى المستقبل.
ولعلّ فلسطين، أكثر من غيرها، تعرف معنى أن تكون الذاكرة مقاومة للنسيان، وأن يصبح البيت الذي غاب حاضرا في أغنية، والشارع الذي تغيّر حيّا في رواية، والوجه الذي رحل مقيما في صورة، والخبز الذي أكلناه ونحن أطفال قادرا على أن يعيد إلينا، بعد عشرات السنين، رائحة البيت الأول.
لهذا أحبّ أن أفهم التراث لا باعتباره مجموعة أشياء ورثناها، بل باعتباره أمانة ورثناها.
الأشياء قد تُسرق أو تتلف أو تتبدّل.
أما الحكاية، إذا بقيت في القلب، فتجد دائما طريقا إلى اللسان.
وقد يموت الحكّاء، لكن الحكاية لا تموت بالضرورة.
تجلس بعده في ذاكرة ابنته، ثم تنتقل إلى حفيده، ثم يرويها حفيد الحفيد، وربما يأتي يوم لا يعرف فيه المستمع وجه صاحبها الأول، لكنه يعرف أن هذه الحكاية تخصّه.
وهنا تكمن عظمة التراث.
إنه يجعل الإنسان يشعر بأنه ليس ابن اللحظة وحدها.
وراءه أناس عاشوا، وأحبوا، وتعبوا، وغنّوا، وخبزوا، وزرعوا، وبنوا، وانتظروا، ورحلوا… وتركوا له شيئا يقول:
كنتُ هنا.
فإذا كان التراث الفلسطيني باقيا، فليس لأن الحجر لا يتهدّم، ولا لأن الثوب لا يبلى، ولا لأن الزمن يتوقف.
إنه باقٍ لأن هناك من لا يزال يقول الحكاية.
وما دمنا نحكي، فإن شيئا منا سيظلّ حيّا.
في يوم التراث الفلسطيني، لا نحتفل بما كان فقط؛ نحتفل بما لم يستطع الزمن أن يأخذه منّا.
نحتفل بالذاكرة حين تتحوّل إلى معرفة، وبالمعرفة حين تتحوّل إلى محبة، وبالمحبة حين تتحول إلى مسؤولية.
فالتراث في النهاية ليس ما تركه لنا الآباء والأجداد فحسب؛
إنه ما سنتركه نحن لأبنائنا، وما سيقولونه عنّا حين نصبح نحن أيضا حكاية.





