بناء منظومة طاقوية متكاملة ترتكز على الكفاءات والتكنولوجيا
من المحروقات إلى الهيدروجين.. ترسيخ السيادة الطاقوية القارية
تتّجه الجزائر إلى توسيع دورها في المشهد الطاقوي الإفريقي، مستندة إلى خبرة تمتد لأكثر من ستة عقود في مجال المحروقات، وإلى بنية تحتية وخبرات تقنية وبشرية تتيح لها تطوير شراكات تتجاوز تصدير النفط والغاز نحو نقل المعرفة وتكوين الكفاءات والمساهمة في تطوير القدرات الطاقوية للدول الإفريقية، ويبرز هذا التوجّه من خلال التعاون مع النيجر وليبيا والسنغال، بالتوازي مع المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز الربط الطاقوي بين دول القارة والأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها أنبوب الغاز العابر للصّحراء وممرّ الهيدروجين الجنوبي.
في السياق، أكّد الخبير في الطاقات المتجدّدة والانتقال الطاقوي، علي شقنان، في تصريح لـ«الشعب”، أنّ الجزائر تجاوزت دورها التقليدي كمصدّر للطاقة، لتتجه نحو ترسيخ حضور جديد في إفريقيا، يقوم على توظيف خبرتها الكبيرة في بناء منظومة طاقوية متكاملة، تجسّد عمق التعاون جنوب-جنوب، من خلال تغطية مختلف مراحل سلسلة القيمة في القطاع.
وأوضح شقنان أنّ هذا التوجه يبرز من خلال الشراكات التي تعمل الجزائر على تطويرها مع عدد من الدول الإفريقية، بما يسمح بتبادل الخبرات وتثمين الموارد الطبيعية وتعزيز قدرات الإنتاج والتكرير، فضلا عن إعداد الكفاءات المحلية القادرة على إدارة المنشآت الطاقوية مستقبلا.
النيجر.. شراكة تتجاوز استكشاف المحروقات
أفاد الخبير أنّ النيجر تشمل أحد المجالات التي يبرز فيها التعاون الطاقوي الجزائري، من خلال نشاط سوناطراك في الاستكشاف وتطوير الخبرات التقنية، إلى جانب إمكانات التعاون في مجالات التكرير والتكوين ونقل المعرفة.
وفي هذا الإطار، وضعت سوناطراك والشركة الوطنية النيجرية للبترول”سونيداب”، في أوت 2026، حجر الأساس لمشروع حفر أربعة آبار استكشافية بحقل كفرا بالنيجر، تتولى إنجازها المؤسّسة الوطنية للحفر، فرع سوناطراك، بهدف تقييم الإمكانات النفطية وتحديد الجدوى الاقتصادية لتطوير الحقل، وتعود أنشطة سوناطراك بالمنطقة إلى سنة 2005، وشملت المسح الزلزالي وحفر بئرين سنتي 2018 و2019، أسفرا عن اكتشاف بئر “كفرا-1” ، فيما يأتي المشروع الجديد عقب تمديد فترة تقييم الرخصة لسنتين، ابتداء من أفريل 2026.
ويرى شقنان أنّ أهمية الحضور الجزائري في النيجر لا يقتصر على البحث عن الموارد النفطية، بل ترتبط بإمكانية المساهمة في تعزيز الاستقرار الطاقوي وتطوير القدرات المحلية، من خلال نقل الخبرة التقنية وتكوين المهندسين والفنيّين، وفي هذا السياق، يبرز التكوين ونقل المعرفة باعتبارهما عنصرين أساسيّين في بناء شراكات طويلة الأمد، تسمح للدول الإفريقية بالاستفادة من مواردها الطبيعية وتطوير كفاءاتها الوطنية في تسيير المنشآت الطاقوية.
استئناف النشاط وتعزيز التعاون
يمتد الحضور الطاقوي الجزائري إلى ليبيا التي تمثل مجالا مهما للتعاون بالنظر إلى الإمكانات النفطية للبلدين، والخبرة التي راكمتها المؤسّسات الجزائرية في الاستكشاف والإنتاج والخدمات المرتبطة بالمحروقات.
في إطار تعزيز الشراكة الطاقوية الجزائرية الليبية، شرعت سوناطراك في 2023 في ترتيبات استئناف أنشطتها بليبيا، بعد توقّف دام عدة سنوات، بهدف تنفيذ التزاماتها التعاقدية في مجال الاستكشاف بحوض غدامس.
وفي 2025، تمّ توقيع أربع مذكّرات تفاهم مع شركات تابعة للمؤسّسة الليبية، شملت مجالات الجيوفيزياء وخدمات الآبار والتحاليل المخبرية والأبحاث البترولية والتكوين، بما يعزّز تبادل الخبرات وتطوير الخدمات النفطية ونقل المعرفة وتكوين الكفاءات، ويفتح آفاقا أوسع لتطوير التعاون بين الطرفين في قطاع المحروقات.
وبحسب شقنان، فإنّ التعاون الجزائري الليبي يمكن أن يشكّل إطارا لتبادل الخبرات الجيولوجية والتقنية وتطوير الشراكات في مجالات أخرى، بما فيها التكوين والطاقات البديلة.
السنغال.. انفتاح على الطاقات المتجدّدة
أشار الخبير شقنان إلى أنه على مستوى غرب إفريقيا، تبرز السنغال بوصفها شريكا يمكن أن تتوسّع معه العلاقات الطاقوية الجزائرية، خاصة في مجالات الكهرباء والطاقات المتجدّدة وتبادل الخبرات التقنية والتكوين.
وقد شهد التعاون بين البلدين حركية بشكل رسمي خلال عام 2026، إذ تناولت مباحثات جزائرية سنغالية في أوت الماضي، سبل توسيع التعاون في الطاقة والكهرباء والطاقات المتجدّدة، كما أعلن في أكتوبر الجاري توقيع مذكّرة تفاهم بين مجمّع سونلغاز والشركة الوطنية للكهرباء في السنغال “سينيليك”، بهدف تأطير التعاون بين المؤسّستين.
وفي السياق، تحدث شقنان عن أهمية التعاون في المحروقات والكهرباء والطاقات المتجدّدة، مع إمكانية الاستفادة من خبرة المؤسسّات الجزائرية في التكوين والأمن الصناعي وحماية البيئة، كما يمكن أن يؤدي المعهد الجزائري للبترول ومؤسّسات التكوين التابعة لسوناطراك دورا في دعم بناء القدرات البشرية، وفقا للأطر والاتفاقات التي يتم اعتمادها بين الطرفين، بحسب تعبيره.
أنبوب الغاز.. رهان الاندماج الطاقوي
لا يقتصر التوجّه الجزائري على الشراكات الثنائية، بل يمتد إلى مشاريع البنية التحتية ذات البعد الإقليمي التي تستهدف تعزيز الترابط بين الأسواق الإفريقية وتوسيع إمكانات نقل الموارد الطاقوية، وفي مقدمة هذه المشاريع، يبرز أنبوب الغاز العابر للصّحراء الذي يهدف إلى نقل الغاز النيجيري نحو الجزائر عبر النيجر، بما يتيح ربط موارد الغاز في غرب إفريقيا بالبنية التحتية الجزائرية وشبكات التصدير نحو الأسواق الخارجية، وقد أعلنت سوناطراك في جوان 2026، الإطلاق الرسمي لأشغال إنجاز المقطع الجزائري من المشروع، في خطوة تعكس انتقال هذا الجزء إلى مرحلة التنفيذ، غير أنّ المشروع لا يزال يتطلّب استكمال مختلف مراحله وأجزائه قبل الحديث عن دخوله حيّز الاستغلال بصورة كاملة.
ويكتسي المشروع أهمية استراتيجية بالنظر إلى ما يمكن أن يوفّره من فرص لتطوير التعاون بين الدول المعنية، وتعزيز الربط الطاقوي الإقليمي، وتثمين الموارد الطبيعية، فضلا عن توسيع إمكانات تأمين الإمدادات على المدى الطويل.
وأبرز شقنان أهمية التنسيق بين الدول الإفريقية في مجال البنية التحتية، بالنظر إلى أنّ نجاح المشاريع العابرة للحدود يرتبط بتكامل الجهود التقنية والاستثمارية والمؤسّساتية، وليس فقط بتوفّر الموارد الطبيعية.
نحو تنويع المزيج الطاقوي الإفريقي
بالتوازي مع مشاريع الغاز الطبيعي، تتّجه الجزائر إلى تعزيز موقعها في التحول الطاقوي من خلال تطوير الطاقات المتجدّدة والهيدروجين الأخضر، في سياق دولي يتزايد فيه الاهتمام بتنويع مصادر الطاقة وتقليص الانبعاثات الكربونية، وفي هذا الإطار، وقّعت الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، أكتوبر الجاري، إعلان الجزائر الوزاري الخاص بمشروع ممرّ الهيدروجين الجنوبي الذي يستهدف تطوير مسار لنقل الهيدروجين الأخضر من شمال إفريقيا نحو الأسواق الأوروبية.
ويعكس هذا الإعلان -وفق محدثنا- توجّها نحو الانتقال من التنسيق السياسي إلى مواصلة الدراسات والتحضيرات التقنية والتنظيمية الضرورية لتطوير المشروع، الذي يرتبط بآفاق الاستثمار في إنتاج الهيدروجين ونقله وتسويقه.
ويرى شقنان أنّ هذا المسار يمكن أن يشجّع القارة الإفريقية على تنويع مزيجها الطاقوي، من خلال الاستفادة من إمكانات الطاقة الشمسية والرياح، وتطوير حلول جديدة لإنتاج الطاقة النظيفة وتوسيع مجالات استخدامها.
وأفاد محدثنا أنّ الجزائر تستند في هذا التوجّه إلى مواردها الطبيعية وخبرتها في البنية التحتية للطاقة، فضلا عن إمكانات تطوير الكفاءات التقنية والصناعية اللازمة لمواكبة التحول نحو مصادر طاقة جديدة.
من تصدير الموارد إلى بناء الشراكات
شدّد الخبير شقنان على أنّ الجزائر تمتلك مقوّمات تسمح لها بتوسيع دورها في المشهد الطاقوي الإفريقي، بالاستناد إلى خبرتها الطويلة في المحروقات، وما راكمته من بنية تحتية وقدرات تقنية ومؤسّسات تكوين، وأكّد أنّ توظيف هذه الإمكانات في تطوير الشراكات الإفريقية من شأنه أن يفتح المجال أمام تعاون يتجاوز تصدير المواد الأولية، ليشمل نقل المعرفة وتكوين الموارد البشرية والمساهمة في تطوير المنشآت الطاقوية.
وفي السياق، أكّد شقنان أنّ الشراكات والاستراتيجيات الطاقوية التي تعمل الجزائر على تطويرها في إفريقيا، من شأنها تحقيق عوائد اقتصادية واستراتيجية متبادلة، تمتد آثارها على المديين المتوسط والطويل، سواء بالنسبة للجزائر أو للقارة الإفريقية ككل.
وأوضح شقنان أنّ هذه الشراكات تتيح للجزائر ترسيخ مكانتها الإقليمية والجيوسياسية، والانتقال من دور مصدّر للمواد الخام إلى فاعل محوري في التنمية الطاقوية الإفريقية، بما يعزّز وزنها السياسي والدبلوماسي باعتبارها شريكا مهما في معادلة الأمن الطاقوي الإقليمي والقاري والدولي، وأضاف أنّ تنويع مصادر الدخل وزيادة الإيرادات يمثلان من أبرز المكاسب المنتظرة، من خلال فتح أسواق جديدة أمام الشركات الجزائرية، وتوسيع فرص الحصول على عقود الاستكشاف والصيانة وتصدير الخدمات، بما فيها التكوين والخبرة التقنية والهندسة.
وفي هذا السياق، أشار محدثنا إلى أنّ تطوير مشاريع الربط الطاقوي يمكن أن يعزّز موقع الجزائر مركزا محوريا لعبور الغاز والهيدروجين الأخضر نحو الأسواق الأوروبية، بما يتيح تحقيق عوائد إضافية من خدمات النقل والعبور، كما أبرز أهمية تصدير الخبرة التكنولوجية الجزائرية، من خلال تطوير دور مؤسّسات التكوين، على غرار المعهد الجزائري للبترول وأكاديمية سوناطراك، لتصبح منصّات لاستقبال وتدريب الكفاءات الإفريقية، بما يفتح آفاقا جديدة أمام الخبراء والمختصّين الجزائريّين، ويُسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
ومن جانب آخر، اعتبر شقنان أنّ تنمية المناطق الحدودية وتعزيز النشاط الاقتصادي في المناطق المجاورة، خاصة في شمال النيجر وغرب ليبيا، يمكن أن يساهما في دعم الاستقرار الأمني والاجتماعي، من خلال توفير فرص التنمية وتعزيز التعاون بين الدول المتجاورة.
بالنسبة للدول الإفريقية، أوضح شقنان أنّ أبرز العوائد تتمثل في تعزيز الأمن الطاقوي وتقليص التبعية للاستيراد، من خلال تطوير الحقول النفطية ورفع قدرات التكرير محليا، بما يساعد على الحدّ من نقص الوقود وتقليص فاتورة الاستيراد، وفقا للإمكانات المتاحة في كل دولة، وأضاف أنّ نقل المعرفة وبناء المهارات المحلية يمثلان ركيزة أساسية لهذه الشراكات، من خلال تكوين الكفاءات الإفريقية وتأهيلها لتسيير المنشآت النفطية والطاقوية، وتقليص الاعتماد المكلف على الخبرات الأجنبية، بما يعزّز قدرة الدول الإفريقية على إدارة مواردها بصورة مستقلة ومستدامة بفضل الجزائر.
شراكات قائمة على مبدأ “رابح-رابح”
فيما يتعلّق بالبنية التحتية، أشار شقنان إلى أنّ المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها أنبوب الغاز العابر للصحراء وممرات الهيدروجين الأخضر، يمكن أن تُسهم في تعزيز الربط الطاقوي القاري، وتسهيل تبادل الطاقة بين الدول، ودعم توفير الإمدادات اللازمة للتنمية الصناعية، مع مراعاة أنّ انعكاساتها على الأسعار تبقى مرتبطة بتكاليف الإنتاج والنقل وظروف الأسواق، كما شدّد على أهمية تسريع الانتقال الطاقوي في إفريقيا، مستفيدة من الخبرة الجزائرية في الكهرباء والطاقات المتجدّدة، ومن المشاريع الموجهة لتطوير القدرات الإنتاجية في هذا المجال، إلى جانب المبادرات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، بما يسمح بتنويع مصادر الطاقة وتكييف مسارات الانتقال مع احتياجات الدول الإفريقية وإمكاناتها.
وخلص شقنان إلى القول أنّ هذه الشراكات تقوم على مبدأ “رابح-رابح”، إذ تستفيد الجزائر من توسيع حضورها الاقتصادي في إفريقيا وتنويع مداخيلها وأسواق مؤسّساتها، بينما تستفيد الدول الإفريقية من الخبرة الجزائرية ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية وبناء الكفاءات الوطنية، بما يدعم السيادة الطاقوية ويعزّز الاستقلالية الاقتصادية للقارة.





