نظّمت جمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية لولاية بسكرة، بمناسبة اليوم الوطني للهجرة، ندوة احتفاء بمائوية صدور أول موسوعة شعرية جزائرية، من تأليف الأديب الشيخ محمد الهادي السنوسي، والتي صدرت في جزأين سنتي 1926 و1927.
احتضنت الندوة المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية محمد عصامي، بمشاركة أساتذة مختصين وحضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي. وتناولت المداخلات الجوانب الفنية والأدبية والأهمية التاريخية لهذه الموسوعة، التي تعد من أوائل الأعمال التي أرخت للشعر الجزائري الحديث، وجاءت ثمرة جهد بذله مؤلفها وهو في الثالثة والعشرين من عمره.
وجمع الشيخ السنوسي في هذا العمل تراجم ومختارات شعرية لعدد من الشعراء الجزائريين، بعدما راسلهم طالبا منهم إرسال معلومات عن حياتهم ونماذج من أشعارهم، فاستجاب بعضهم لطلبه، فيما امتنع آخرون عن المشاركة، وهو ما أشار إليه المؤلف في كتابه.
وفي هذا السياق، أوضح سليم كرام، أستاذ الأدب العربي بجامعة بسكرة ونائب رئيس جمعية الخلدونية، أن هذه الندوة تندرج في إطار الاهتمام بهذا المؤلف الذي يمثل محطة مهمة في تاريخ الأدب الجزائري، مشيرا إلى أن الموسوعة صدرت في جزأين بتونس سنتي 1926 و1927.
وأضاف أن الشيخ السنوسي استطاع، رغم الصعوبات وقلة الإمكانيات، أن يؤسّس لهذا العمل الموسوعي الذي جمع بين التراجم والمختارات الشعرية، مسلطا الضوء على عدد من الأسماء التي أسهمت في إثراء الشعر الجزائري، وأصبحت من أعلامه ورموزه.
وأكّد كرام أن هذه الموسوعة تمثل مرجعا أساسيا لا يمكن تجاوزه عند دراسة الأدب الجزائري الحديث، لما تضمنته من تراجم ونصوص شعرية لعدد من الشعراء، من بينهم مفدي زكريا، ومولود زريبي، وأبو اليقظان، ومحمد لقياني، والطيب العقبي، ومحمد العيد آل خليفة، وغيرهم.
وأشار المتحدث إلى أن المؤلف كان يطمح إلى توسيع قائمة الشعراء المشاركين في الموسوعة، غير أن عدد الذين استجابوا لمراسلته لم يتجاوز 21 شاعرا، في حين حرم آخرون أنفسهم، بحسب تعبيره، من المساهمة في هذا العمل الذي يكتسي أهمية خاصة في توثيق التجربة الشعرية الجزائرية.
وتوقفت المداخلات عند منهجية التأليف والأهداف التي سعى الشيخ السنوسي إلى تحقيقها، إلى جانب القيمة الفنية والأدبية للمختارات التي ضمها الكتاب. ولفت المشاركون إلى أن العمل تجاوز الجمع التقليدي للمعلومات وترتيبها، ليعكس وعيا بقضايا المرحلة التي ظهر فيها، ويكشف عن اهتمام مؤلفه بالواقع الذي كان يعيشه الشعب الجزائري تحت وطأة الاستعمار الفرنسي.
كما أبرزت القراءات طبيعة الاختيارات الشعرية التي اعتمدها المؤلف، إذ منح حيزا للنصوص ذات الصبغة الوطنية، مع التركيز على ما يعكس انشغالات المجتمع الجزائري وتطلعاته، بعيدا عن بعض الأغراض الشعرية التقليدية، مثل الهجاء والمدح والرثاء. ويعكس هذا التوجه، وفق ما تناولته المداخلات، رغبة في جعل الشعر وسيلة للتعبير عن قضايا الوطن، إلى جانب توثيق مسار الأدب الجزائري الحديث.وشكلت الندوة فرصة لاستعادة تجربة أدبية مبكرة، ارتبطت بجهد فردي في جمع النصوص والتعريف بأصحابها في مرحلة اتسمت بصعوبات النشر ومحدودية الإمكانيات، كما أتاحت للمشاركين الوقوف عند أهمية الموسوعة في حفظ جانب من الذاكرة الشعرية الجزائرية، والتعريف بالأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح القصيدة الجزائرية الحديثة.
الشيخ السنوسي.. مسار أدبي وتعليمي
ولد الشيخ محمد الهادي السنوسي سنة 1902 بقرية اليانة، إحدى الحواضر العلمية بمنطقة الزيبان، حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتلقى مبادئ اللغة العربية وقواعدها. ولازم الشيخ عبد الحميد بن باديس وهو في الخامسة عشرة من عمره، كما حاول الالتحاق بالأزهر الشريف لمواصلة دراسته، غير أن قيود الاستعمار حالت دون تحقيق ذلك.
وكان السنوسي من الأعضاء المؤسّسين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كما مارس التدريس في بسكرة وفرنسا، وفي مدارس الجمعية بالجزائر العاصمة وتلمسان وسيدي بلعباس وعين تموشنت. وبعد الاستقلال، عمل أستاذا للغة العربية في ثانويات العاصمة إلى غاية سنة 1971.
ولم يقتصر نشاطه الأدبي على الموسوعة الشعرية، بل أصدر أيضا مسرحية باللغة العربية خلال عشرينيات القرن الماضي، ونشر مقالات وأبحاثا وأشعارا في عدد من الصحف، من بينها «الشهاب» و»المنتقد» و»هنا الجزائر»، وغيرها من الصحف التي عرفت بها الساحة الثقافية في تلك الفترة. وتوفي الشيخ محمد الهادي السنوسي في الرابع من أكتوبر سنة 1974، تاركا رصيدا أدبيا وعلميا يعكس انشغاله باللغة العربية والأدب الجزائري وقضايا عصره.





