تنظيــم السلسلــة التجاريـة بالأســواق صمّام أمــان لقــوت المواطـن
تفعيـل ثقافـــة التبليــغ لــدى المواطـــن ركيــزة مكمّلــة لجهـود الدولة
تتّجه مساعي الدولة الجزائرية في الفترة الأخيرة، نحو فرض سيطرة أكبر على السوق الوطنية للمواد الأساسية والخضر، بناءً على الأوامر التي أسداها رئيس الجمهورية مؤخّرا بضرورة ضبط الأسعار وضمان استقرارها، حيث يمثل هذا الملف ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني..
تضمن الإجراءات الجديدة وصول المواد الغذائية بسلاسة وبأسعار معقولة إلى جميع المواطنين في مختلف مناطق البلاد، لتدخل الجزائر بذلك مرحلة أكثر تنظيما للتحكّم في السوق التجاري وتجاوز الاختلالات التي أثرت على القدرة الشرائية في بعض الأحيان.
وتعتمد المرحلة التنظيمية على حزمة من الآليات المتكاملة، يأتي في مقدمتها التوجه نحو رقمنة القطاع التجاري، وتكثيف المراقبة الميدانية، إلى جانب تفعيل الرّدع القانوني ضدّ المخالفين، كما تهدف هذه الخطوات مجتمعة إلى تفكيك بنية السوق العشوائية وفهم المنطق الذي يحكمها، والذي غالبا ما يقوم على السعي نحو تحقيق ربحية مفرطة وسريعة، وهو ما يحدث عادة على حساب طرفين أساسيّين في المعادلة الاقتصادية، وهما الفلاح المنتج والمواطن البسيط الذي يتحمّل التبعات النهائية لارتفاع الأسعار، حيث أمر رئيس الجمهورية بمعالجة هذه المعضلة عبر وضع آليات واضحة المعالم، تضمن حماية الفلاح من خلال تمكينه من تسويق محصوله بأسعار مجزية تضمن له الاستمرارية في الإنتاج، وتمنع في الوقت ذاته تضاعف تلك الأسعار إلى مستويات تصل أحيانا إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف السعر الأصلي بمجرّد خروجها من المزرعة، في مسارات تسويقية تعتمد على تعدّد الوسطاء وتمثل شكلا صريحا من أشكال المضاربة التجارية.وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور مصطفى بوحاتم، في تصريح لـ«الشعب”، أنّ رئيس الجمهورية يسعى من خلال هذه التدابير إلى تنظيم السوق وضبطها بشكل فعلي، وعدم تركها رهينة للممارسات الانتهازية، وأضاف أنه بالرغم من وجود ترسانة قانونية صارمة وفعالة لمكافحة المضاربة في كثير من القطاعات، إلا أنّ تطبيقها في سوق المنتجات الزراعية والأساسية، يواجه تحديات معقّدة، بالنظر إلى طبيعة هذه الأنشطة التجارية التي تتم بشكل يومي ومكثف وبكميات ضخمة جدا، ما يجعل التلاعب بقاعدتي العرض والطلب أمرا يصعب تتبعه بدقة في ظل غياب تنظيم شامل للسلسلة التجارية من المنتج إلى المستهلك.وفي سياق متّصل، أكّد محدثنا أنّ الجهات المسؤولة تعمل حاليا على بناء هيكل تنظيمي شامل يرتكز على الرقمنة والرقابة الميدانية المستمرة، بالإضافة إلى إشراك المواطن من خلال ثقافة التبليغ للوصول إلى أدق التفاصيل المتعلقة بمسار المنتجات، كما أنّ إلزام التجار بعرض أسعار مختلف السلع لاسيما الفلاحية منها، يشكّل خطوة ضرورية لضمان الشفافية وحماية المستهلك من التجاوزات، خاصة وأنّ العقلية التجارية الاحتكارية التي تبحث عن الربح السريع بطرق ملتوية تعتبر أمرا غير مقبول نهائيا، عندما يتعلّق الأمر بمنتجات تشكّل المكون الأساسي لسلة غذاء الجزائريّين، ولا تخضع لمنطق الكماليات بل لضروريات العيش اليومي.ويشير خبراء الاقتصاد -في هذا الصدد- إلى أنّ هوامش الربح التي يقتطعها الوسطاء التجاريّون في أسواق الجملة والتجزئة تتجاوز في كثير من الأحيان نسبة 60 بالمائة من السعر النهائي للمنتج الفلاحي، وهو ما يبرز أهمية القرارات الأخيرة في تحديد مسار المنتجات وتتبّعها رقميا لقطع الطريق أمام الوسطاء الطفيليّين، كذلك تُسهم هذه الآليات في تقديم إحصائيات دقيقة حول حجم الإنتاج الفعلي ومقارنته بحجم الطلب في السوق، ممّا يسهّل على السلطات التدخّل في الوقت المناسب لضخّ كميات إضافية أو تخزين الفائض.
ويظهر بوضوح أنّ المقاربة الحالية تتّجه نحو استئصال المسبّبات الحقيقية لغلاء الأسعار من خلال إعادة هيكلة شبكات التوزيع، حيث يعتبر هذا التوجه خطوة عملية لتحقيق استقرار دائم في السوق، يعيد التوازن للمنظومة التجارية، ويحفظ القدرة الشرائية للمواطن، ويحمي النسيج الإنتاجي الفلاحي، الذي تعول عليه الدولة لتحقيق أمنها الغذائي بعيدا عن تقلّبات السوق وهيمنة المضاربين.






