شهدت فرنسا السبت تظاهرات حاشدة ضد غلاء المعيشة، شارك فيها مئات الآلاف، في حين أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع والمدافع المائية لتفريق متظاهرين في باريس ومدن عدة، وسط تصاعد الغضب الشعبي قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية. وجاءت هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات بعد أسبوع من أعمال عنف ونهب واسعة، فيما حظرت السلطات مسارات عدة للتظاهرات وأغلقت محطات مترو في العاصمة.
دعت نقابات عمالية وتنسيقية «السترات الصفراء» في فرنسا إلى مواصلة الاحتجاجات خلال الأيام المقبلة، عبر التظاهر السبت المقبل وتنفيذ إضراب واسع في 5 نوفمبر، بعد خروج مئات الآلاف من الفرنسيين إلى الشوارع أمس الأول، رغم قرارات منع التظاهر في عشرات المدن، والتعزيزات الأمنية، والمخاوف من تكرار أعمال العنف التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي.
وتأتي الدعوات الجديدة بعد أكثر من شهر على بدء احتجاج تلاميذ الثانويات الذي اتسع ليشمل طلاب الجامعات والأهالي والنقابيين والمحتجين على غلاء المعيشة، من دون أن تنجح الحكومة، حتى الآن، في الاستجابة للمطالب أو تهدئة الغضب المتصاعد.
وقالت «الكونفدرالية العامة للعمل»، في بيان أصدرته مساء السبت، إن على الحكومة وأرباب العمل الاستجابة للمطالب الاجتماعية، مؤكدة أن «الإضراب هو الذي يجب أن يتولى المهمة الآن». ودعت النقابة، إلى جانب منظمات أخرى، إلى إضراب واسع في فرنسا يوم 5 نوفمبر، وحمّلت أرباب العمل مسؤولية غلاء المعيشة والتقشف، وطالبت بمواصلة الضغط عليهم.
وشهدت تظاهرات السبت هتافات ولافتات تندد بالفقر وصعوبة تأمين السكن وتدبير أمور المعيشة رغم العمل، إلى جانب مطالب بتمويل التعليم والخدمات العامة وحماية الديمقراطية ودولة القانون.
من جهتها، دعت تنسيقية «السترات الصفراء» إلى جولة جديدة من الاحتجاجات تشمل تجمعات واعتصامات أمام مقرّ الجمعية الوطنية (البرلمان) في باريس ومقار البلديات في أنحاء فرنسا، دفاعاً عن الحريات العامة ورفضاً لما وصفته بالمنعطف السلطوي للحكومة. وطالبت التنسيقية، في بيان نشرته على موقعها، بعقد اجتماعات بين التلاميذ والطلاب والعمال والمزارعين والمتقاعدين وغيرهم من المشاركين في الاحتجاج، تمهيداً للقاء وطني يوّحد تحرّكهم. كما دعت الرئيس إيمانويل ماكرون والحكومة إلى استقبال ممثلي القطاعات والشرائح المشاركة في الاحتجاج في لقاء عام، للاستماع إلى مطالبهم والرد عليها، مضيفة أنّ عدم استجابة الرئيس والحكومة لهذه المطالب تعني أنه «سيكون عليهما الرحيل».
مشاركـة واسعة رغـم القيـود والعنــف
وجاءت الدعوات في يوم أعلنت فيه «الكونفدرالية العامة للعمل» مشاركة 800 ألف شخص في الاحتجاجات التي عمّت المدن الفرنسية الكبرى، وهو العدد نفسه الذي أعلنته النقابة السبت الماضي، مقابل 410 آلاف بحسب وزارة الداخلية، التي أحصت 550 ألفاً قبل أسبوع. وفي باريس وحدها، تراوح عدد المشاركين بين 110 آلاف بحسب الشرطة و250 ألفاً بحسب النقابة. وجاءت هذه المشاركة الواسعة رغم القيود التي فرضتها الحكومة على التظاهر، ونشرها 70 ألف شرطي ودركي لضبط الاحتجاجات، وكذلك رغم العطلة المدرسية.
وشهدت نهاية التظاهرات في باريس ومدن أخرى مواجهات استخدمت خلالها قوات الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. كما أعلن وزير الداخلية إصابة شخصين بجروح خطيرة في تولوز وكليرمون فيران. وقال إن المصاب في تولوز فقد عدة أصابع من يده اليمنى إثر انفجار عبوة بالقرب منه. وأصيب شاب يبلغ 19 عاما ًفي عينه اليسرى في بواتييه. وفي نيس جنوبي البلاد، أعلنت السلطات تسجيل 3 إصابات وتوقيف 11 شخصاً من اليمين المتطرف، إثر اعتداءات نفذتها مجموعة من المنتمين إليه على المتظاهرين في المدينة.
احتجاجـات في مـدن أوروبيـة
في السياق، شهدت عواصم ومدن أوروبية، يوم السبت، احتجاجات حاشدة حملت مطالب اجتماعية وسياسية متباينة. ففي تيرانا عاصمة ألبانيا، احتج آلاف الأشخاص على الفساد وتردي التعليم، وطالبوا باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، فيما خرج آلاف في مدريد الإسبانية دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية، بينما شهدت ميلانو الإيطالية انتشاراً أمنياً كثيفاً مع انطلاق تظاهرات على خلفية الاحتجاج على خفض الإنفاق العام وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتأتي هذه التحركات في أجواء سياسية متوترة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية في إسبانيا، وتصاعد الاحتجاجات في ألبانيا على مدى أكثر من 130 يوماً، وتشديد الحكومة الإيطالية الإجراءات الأمنية بعد أعمال عنف شهدتها ميلانو الأسبوع الماضي. وبينما اتسعت مطالب المحتجين في ألبانيا من مشروع سياحي إلى قضايا التعليم والفساد ومستقبل الشباب، ركزت التظاهرة الإسبانية على حماية المعاشات والخدمات العامة، في وقت تواجه فيه حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا احتجاجات على سياساتها الاقتصادية والأمنية.
وبدأت التظاهرات في مدن أوروبا من احتجاج شبابي طلابي انطلق في فرنسا، ثم برزت في ألبانيا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا بمطالب متباينة.




