حمايــة المنشــآت الطاقويــة ومشاريــع البنـــى التحتيــة تتطلّـــــب منظومـة متكاملـة
أكّد الخبير في الشؤون الأمنية، الدكتور أحمد ميزاب، أهمية القرار المتعلق بخروج الجيش الوطني الشعبي خارج الحدود إلى النيجر، الذي لا يكمن فقط في أبعاده العسكرية، بل فيما يكشفه من تحديات تواجه الدولة في التوفيق بين حماية أمنها القومي، وصيانة مصالحها الاقتصادية، واحترام سيادة الدول المجاورة، والحفاظ على ثوابت سياستها الخارجية.
أوضح ميزاب، في تصريح لـ»الشعب» أنّ فهم هذا القرار، يقتضي أولا فهم البيئة التي اتّخذ فيها، لافتا إلى أنّ منطقة الساحل تواجه منذ سنوات أزمات مركّبة تشمل تمدّد الجماعات الإرهابية، وتنامي شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وتراجع فاعلية بعض آليات التعاون الإقليمي، إلى جانب تغيّر علاقات دول المنطقة بالقوى الخارجية.
وتكمن خطورة هذه البيئة -بحسب ميزاب- في التهديدات التي لم تعد محصورة داخل حدود دولة واحدة، وباتت تتحرّك عبر فضاء جغرافي واسع، مستفيدة من المساحات الشاسعة، وصعوبة المراقبة، وتفاوت قدرات المؤسّسات الأمنية والعسكرية.
وبالنسبة إلى الجزائر، أبرز ميزاب أنّ أمن الحدود لا يتحدّد فقط بقدرة الجيش الوطني الشعبي على مراقبة الخط الحدودي، بل يتأثر أيضا بمستوى الاستقرار في المناطق المجاورة، وبقدرة الدول الشريكة على فرض سيطرتها على أراضيها.
في السياق، قال ميزاب إنّ التصور الجزائري للأمن القومي لطالما ارتبط بحماية السيادة الوطنية ووحدة التراب الوطني، وبالتحفّظ إزاء التدخّل العسكري خارج الحدود، غير أنّ تطور التهديدات العابرة للحدود يفرض التمييز بين مفهومين: أمن الحدود، وأمن المجال الاستراتيجي المحيط بها.
وبخصوص أمن الحدود، قال ميزاب أنه يتعلّق بالمراقبة والرّدع ومنع الاختراقات والأنشطة غير المشروعة داخل المجال الوطني، أمّا أمن المجال الاستراتيجي، فيتّصل بالعوامل الخارجية التي تؤثر في استقرار الحدود، وتوسّع نشاط الجماعات الإرهابية، وتنامي شبكات التهريب، واضطراب خطوط النقل والطاقة.
وتكمن أهمية القرار -بحسب ميزاب- في أنه يطرح مسألة التوازن بين مقتضيات الأمن الوقائي، واحترام السيادة، وضبط استخدام القوة، وهي مسائل لا يمكن حسمها بمجرّد الإشارة إلى المصالح الاقتصادية، وأضاف أنه في الحسابات الاستراتيجية للدول، لا تقاس أهمية المصالح الاقتصادية بقيمتها المالية المباشرة فقط، بل بتأثيرها في الاستقلال الاستراتيجي، واستمرارية التنمية، والقدرة على بناء شراكات طويلة الأمد، ومن هذا المنطلق، فإنّ المصالح الجزائرية المرتبطة بالتعاون الطاقوي مع النيجر، ومشروعات البنية التحتية العابرة للصّحراء، تكتسب أهمية تتجاوز البعد التجاري.
فيما يتعلّق بمشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء، على سبيل المثال، قال ميزاب إنه يرتبط بتعاون بين الجزائر والنيجر ونيجيريا، ويطرح تحديات تتّصل بتمويل البنية التحتية واستمرارية التشغيل والأمن في المناطق التي يعبرها المشروع، ولذلك ينبغي أن تكون حماية المصالح الاقتصادية جزءا من منظومة متكاملة تشمل الدبلوماسية والتعاون الاستخباراتي والأمن الحدودي وتعزيز قدرات الدولة المضيفة.
ويعتقد ميزاب أنه من الخطأ اعتبار كل انتشار عسكري خارج الحدود دليلا تلقائيا على تغيير العقيدة العسكرية، كما أنه من غير الدقيق تجاهل الأهمية السياسية والاستراتيجية لأي قرار يسمح باستخدام القوات خارج المجال الوطني، مشيرا إلى أنّ العقيدة العسكرية تتّصل بالمبادئ التي تحكم استخدام القوة، وطبيعة المهام التي تسند إلى القوات المسلّحة، والعلاقة بين الدفاع الوطني والسياسة الخارجية، وحدود اللّجوء إلى العمل العسكري.




