الجزائــر في قمّــة موسكــو للغـاز.. خـبرة عقـود ودور محـوري في أمن الطّاقــة
مــــن تأمــــين الإمــــدادات إلى توسيــــع الشّراكـــــات الإفريقيـــــة – الأوروبيــــة
تؤكّد مشاركة الجزائر في القمة الثامنة لرؤساء دول وحكومات منتدى الدول المصدرة للغاز، المنعقدة بموسكو، أهمية الدور الذي تضطلع به في تعزيز أمن الطاقة العالمي واستقرار أسواق الغاز، انطلاقا من خبرتها الطويلة في هذا المجال ومكانتها ضمن أبرز الدول المنتجة والمصدرة.
تستند مكانة الجزائر في سوق الغاز إلى تجربة طويلة في الإنتاج والتصدير، وإلى بنية تحتية تربطها بعدد من الأسواق، وفي مقدمتها السوق الأوروبية، وقد جعلت هذه الإمكانات منها شريكا مهما في تأمين الإمدادات، خصوصا في ظل حاجة الدول المستهلكة إلى مصادر موثوقة ومستقرة للطاقة.
وتدعم هذه المكانة خبرة الجزائر في صناعة الغاز، فهي تعود إلى عقود طويلة، ولقد تطور القطاع ليصبح أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني، ومصدرا أساسيا للصادرات وعلاقات التعاون مع الشركاء الدوليين.
الغاز العابر للصّحراء.. مشروع يتجاوز تصدير الطّاقة
يمثّل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء أحد أبرز المشاريع التي تعكس طموح الجزائر إلى توسيع حضورها الطاقوي في القارة الإفريقية، وتعزيز التعاون مع نيجيريا والنيجر، حيث يهدف إلى ربط نيجيريا بالجزائر مرورا بالنيجر لنقل الغاز الطبيعي النيجيري إلى الأسواق الأوروبية عبر البنية التحتية الغازية الجزائرية، بما يُرسخ مكانة الجزائر كممر طاقوي مرجعي يربط بين إفريقيا وأوروبا.
وتبلغ الطّاقة التصديرية المستهدفة للمشروع نحو 30 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما يمنحه أهمية كبيرة في حسابات الإمدادات والأسواق، كما يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وتقني أوسع بين الدول المعنية.
ويكتسب المشروع أهمية إضافية بالنظر إلى التحديات التي تواجهها القارة في مجال توفير الطاقة. فضعف البنية التحتية ونقص الاستثمارات يحدّان من قدرة العديد من الدول على استغلال مواردها وتلبية احتياجاتها، ومن شأن المشاريع المشتركة أن تفتح آفاقا جديدة للتعاون، شريطة توفير التمويل اللازم، وضمان الظروف الأمنية والتقنية الضرورية لتجسيدها.
الطّاقات المتجدّدة.. تنويع الإنتاج وتعزيز للصّادرات
بالتوازي مع تطوير صناعة الغاز، تعمل الجزائر على توسيع استثماراتها في الطاقات المتجددة، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية، خاصة في مجال الطاقة الشمسية. ويأتي هذا التوجه في إطار السعي إلى تنويع مصادر إنتاج الكهرباء، وتقليص الاعتماد على المصادر التقليدية في تلبية الطلب المحلي.
وتستهدف الجزائر بلوغ قدرة إنتاجية تقدر بـ 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة بحلول سنة 2035، باستثمارات تقدر بنحو 22 مليار يورو. ويعكس هذا البرنامج أهمية القطاع في الخيارات الطاقوية المستقبلية، سواء من حيث تلبية احتياجات السوق الوطنية أو توفير فرص جديدة للتصدير.
ويمكن لتطوير إنتاج الكهرباء من المصادر المتجدّدة أن يساعد على تلبية جزء من الطلب المحلي، مع إتاحة المجال لتوجيه كميات أكبر من الغاز نحو الاستخدامات الصناعية والتصديرية. غير أنّ تحقيق هذه الأهداف يتطلب استثمارات متواصلة في محطات الإنتاج وشبكات نقل الكهرباء، إلى جانب تطوير تقنيات التخزين وتحسين قدرة المنظومة الكهربائية على استيعاب مصادر الطاقة المتجددة.
وفي المقابل، تواجه صناعة الغاز تحديا يتمثل في تقليص أثرها البيئي، خاصة ما يتعلق بانبعاثات الميثان وحرق الغاز؛ لهذا تزداد أهمية تحديث المنشآت الصناعية، وتحسين كفاءة الاستغلال، والاستثمار في التقنيات الحديثة، بما فيها احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، كما يتيح الاعتماد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي فرصا لتحسين إدارة المنشآت ومراقبة عمليات الإنتاج والنقل، بما يساعد على رفع المردودية وتقليص الهدر والانبعاثات.
الهيدروجين.. آفاق تعاون جديدة مع أوروبا
إلى جانب الغاز والطاقات المتجددة، تتّجه الأنظار إلى الهيدروجين باعتباره أحد المجالات الواعدة لتنويع مصادر الطاقة والصادرات الجزائرية. ويستند هذا التوجه إلى الموقع الجغرافي للجزائر، وإمكاناتها في مجال إنتاج الطاقة، وقربها من الأسواق الأوروبية التي تبحث عن مصادر جديدة للطاقة منخفضة الانبعاثات.
وفي هذا الإطار، يبرز مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين، باعتباره إطارا للتعاون بين الجزائر وتونس وشركاء أوروبيين، بهدف تطوير ممرات لنقل الطاقة وربط شمال إفريقيا بالأسواق الأوروبية.
مشاريـــع متكاملـــة..
تتّجه الجزائر إلى الجمع بين تطوير مواردها من الغاز الطبيعي، وتوسيع مشاريع الطاقات المتجددة، واستكشاف فرص الاستثمار في الهيدروجين. ويعكس هذا التوجه إدراكا لأهمية تنويع مصادر الطاقة والصادرات، مع المحافظة على دور القطاع التقليدي في دعم الاقتصاد الوطني.




