الصديق حـاج أحمـــد وحيـاة أم السعــد يفتحــان آفاقـــا جديــدة للبحـث السـردي
تواصل دور النشر الجزائرية تعزيز المشهد المعرفي والأكاديمي بإصدارات نقدية تسعى إلى ترسيخ الدرس النقدي الوطني وتحديث أدواته المنهجية، واضعة أسئلة الهوية، والذاكرة، والمكان، في قلب التحليل الرصين. ويتجلى هذا التوجّه في التقاطع المثمر بين التأصيل المفاهيمي والمساءلة التطبيقية للنصوص؛ حيث تلتقي المشاريع النقدية الجديدة عند استكشاف العلاقة الحية بين الكتابة والواقع، وتفكيك البنى الثقافية التي تشكّل المخيال السردي والجمالي في الجزائر، من خلال الانتقال من مجرد القراءة الوصفية العابرة إلى التأسيس المعرفي المحكم.
في حقل الدراسات النقدية السردية، يقدم الروائي والباحث الأكاديمي الصديق حاج أحمد، المعروف بالزيواني، كتابه الموسوم بـ«الصحراء والسرد: مداخل وممرات إلى متحف كتابة الطين”، الصادر عن دار “دواية” للنشر والتوزيع. ويأتي هذا العمل ليتوّج مسارا بحثيا وتوثيقيا مستمرا أولى فيه المؤلف عناية فائقة للبيئة الصحراوية وتمثلاتها الثقافية والأدبية، وهو مسعى تأسيسي سبقت الإحاطة به في أعماله المتتالية، على غرار “رحلتي لبلاد السافانا”، و«نقوش.. لوحات سردية من عالم الصحراء”، و«من نوادر واد بوغلي”.
وينقل المؤلف في مؤلفه الجديد مدار الاهتمام النقدي من التناول الحصري لمضامين النصوص السردية إلى الفحص الدقيق للشروط الثقافية، والبيئية، والتاريخية، التي أسهمت في نشأة هذه النصوص وتطورها.
ويتتبع الزيواني تمفصلات التعبير السردي الصحراوي وتحولاته البنيوية، مستنطقا الرموز وأنماط العيش والذاكرة الجمعية الكامنة في البيئة المحلية، والتي ألقت بظلالها المباشرة على طرائق الحكي، وتشييد الفضاء المتخيل، وسبك العوالم الروائية.
وينتظم العمل في مهاد نظري وثلاثة فصول محورية تفكك “أروقة متحف الصحراء”، وتستجلي خصوصيات ثقافة “أهل الطين والعمود المترحل”، لتتوج هذه المسارات بمراجعات وقراءات تطبيقية لنصوص سردية مختارة، تتيح اختبار المفاهيم النظرية في المتون الأدبية الحية.
وتتضح فرادة الدراسة في ملامستها الدقيقة لثنائية المكان الصحراوي؛ إذ يفرق الباحث بين فضاء القصور والقصبات الطينية المرتبط بالاستقرار الواحي وما يفرزه من نسق معرفي، وفضاء الخيام المتصل بثقافة الترحال وحركية العيش المستمرة. ويستحضر المؤلف في هذا السياق تجارب فضاءات الهقار، والطاسيلي، وتندوف، بوصفها بيئات جغرافية وثقافية صاغت خصوصية التعبير الإبداعي في الجنوب الجزائري، مؤسسا بذلك لرؤية تجعل المكان مكوّنا أصيلا في هندسة المعنى، وصياغة الشخصيات، وتوليد الرموز الحكائية.
استكشاف سرديات الذاكرة والتحرّر
وفي مسار متكامل يعنى بالدراسات النقدية النظرية والمقارنة، تقدم الباحثة والأستاذة الجامعية الدكتورة حياة أم السعد كتابها المعنون بـ«نقد العقل الحواري: الأصول والإشكالات والامتدادات”، الصادر عن منشورات دار “الرؤى”. وتتخذ الباحثة من الأطروحات الفكرية للمنظّر الروسي ميخائيل باختين مدخلا لمراجعة الأسس العميقة للفكر الحواري، واستجلاء تجلياته وامتداداته في الدراسات الأدبية والثقافية المعاصرة.
ويتوجّه الكتاب نحو مراجعة القراءات النقدية السابقة التي تناولت متن باختين، مع التركيز على إسهامات نخبة من الأكاديميين الروس الذين عملوا على تقويم مسارات التلقي والترجمة الغربية لنصوصه، والعودة بالمفاهيم إلى سياقاتها الفلسفية الأولى لفهم كيفية انتقالها عبر الفضاءات الثقافية المتعدّدة. وتستند الباحثة إلى الجهاز المفاهيمي الباختيني، وخاصة فلسفة الفعل والمسؤولية الأخلاقية، مستفيدة من منجزات غاري سول مورسون وكاريل إيمرسون، لتنفتح بالتحليل على سرديات المقاومة وسجلات التحرّر الإنساني، وقدرة الحرف الأدبي على تخليد التجارب الوجودية القاسية الناجمة عن العنف الاستعماري.
وتتجسد هذه المقاربة عمليا عبر المزج بين مدونتين تلتقيان في صون الذاكرة الجمعية؛ أولاهما مدونة واقعية تنهض على الشهادة الحية للمجاهدة لويزة إيغيل أحريز في كتابها “جزائرية”، وثانيتهما مدونة تخييلية تمثلها رواية “فرانز فانون” للكاتبة جميلة براهيمي. ويسمح هذا التلاقي بإضاءة المساحات المشتركة بين قوة الوثيقة التاريخية وأبعاد التخييل الروائي، كاشفا عن عمق المعاناة التي كابدتها المرأة الجزائرية في غياهب التعذيب الوحشي أثناء ثورة التحرير المجيدة.
ويكتسب منجز حياة أم السعد قيمته المعرفية من ترسيخ وظيفة الأدب كحافظ للذاكرة الوطنية وحام للتجارب الإنسانية المهددة بالنسيان؛ فالشهادة ترفع التجربة الفردية المعاشة إلى الفضاء التداولي العام، بينما يتولى التخييل تعميق أبعادها النفسية والجمالية. ويخلص الكتاب إلى تحقيق تكامل نموذجي يربط النظرية الأكاديمية بالمسألة الوطنية، ليتجاوز التفكيك الشكلي للنصوص نحو تثمين دور السرد في حفظ كرامة الإنسان وتوثيق ملاحم الانعتاق.






