مقوّمات إستراتيجية لبناء اقتصاد رائد بالمنطقة ومنفتح على الأسواق
آلة الإنتاج الوطني استعادت عافيتها بعد عقود من الاستيراد العشوائي
تحرص الجزائر على بناء أسس متينة لاقتصاد جديد عصري، متنوّع، ومستدام يرتكز على الإنتاج المحلي، والتصدير والاستثمار والكفاءة الاقتصادية، ورفع القدرات التنافسية للمؤسّسات الجزائرية، وذلك تنفيذا لتوجيهات والتزامات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون.
أكّد الأستاذ بجامعة وهران 2، حاكمي بوحفص، أنّ الجزائر تخوض اليوم مرحلة حاسمة وتحوّلات عميقة تهدف إلى الانتقال الفعلي من نموذج الاقتصاد المعتمد شبه كليا على المحروقات، إلى نموذج اقتصادي عصري، متنوّع ومستدام.
وأوضح حاكمي في تصريح لـ»الشعب» أنّ عقود الاعتماد على النفط كرّست التبعية للخارج وألحقت أضرارا بالغة بآلة الإنتاج المحلي نتيجة الاستيراد العشوائي للمنتجات الأجنبية. غير أنّ التوجّهات المسطّرة منذ عام 2020 عكست مسار الأمور، حيث تسعى السلطات العمومية جاهدة لبناء أسس صلبة ترتكز على تعزيز الإنتاج الوطني، وتحفيز الاستثمار، ورفع التنافسية الخارجية للمؤسّسات الجزائرية.
وفي حديثه عن الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها الجزائر، شدّد حاكمي على أنّ الجزائر تمتلك كل المؤهّلات لتتحول إلى قطب اقتصادي وصناعي محوري إقليميا، مبرزا جملة من المرتكزات الاستراتيجية. فالجزائر يقول حاكمي التي تملك قطبا طاقويا وصناعيا متقدّما، لم تعد تكتفي بكونها مموّنا بالغاز الطبيعي والنفط، بل دخلت مرحلة التثمين الداخلي للموارد وتطوير البتروكيماويات والتكرير لرفع القيمة المضافة، بموازاة الرهان المستقبلي الطموح على الطاقات المتجدّدة كالهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية.
ونوّه محدثنا بشروع الجزائر في استغلال ثروات منجمية مهيكلة مشيرا إلى الانطلاقة الفعلية للمشاريع الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الحديد في «غارا جبيلات»، ومشروع الفوسفات المدمج، ومنجم الزنك والرصاص في «وادي أميزور»، معتبرا إياها اللبنات الأساسية لتأسيس سلاسل صناعية وطنية متكاملة.
بنية تحتية لوجستية.. الورقة الرابحة
أشار حاكمي إلى أنّ الموقع الاستراتيجي والبنية التحتية اللوجستية القوية، جعلا من الجزائر بوابة القارة نحو أوروبا وإفريقيا، وهو ما تعزّزه الاستثمارات الضخمة في شبكات الطرق؛ كطريق الوحدة الإفريقية، والطريق الرابط بين الجزائر العاصمة وتمنراست، والطريق السيار شرق-غرب، فضلا عن تطوير الموانئ (مثل ميناء عنابة) وتوسيع المناطق الحرّة والمعابر الحدودية لدعم التجارة البينية في إطار منطقة التجارة الحرّة القارية الإفريقية (ZLECAf).
وفي سياق متّصل، أشاد حاكمي بحرص الجزائر على ضمان أمنها الغذائي بفلاحة استراتيجية وشراكات دولية ومن خلال الرؤية الموجّهة نحو الجنوب والهضاب العليا لزراعة المحاصيل الاستراتيجية (الحبوب، البقوليات، والأعلاف)، مدعومة بمشاريع حيوية كالشراكة مع شركة «بلدنا» القطرية لإنتاج اللّحوم ومسحوق الحليب لضبط الأسواق وتثبيت القدرة الشرائية، بالتزامن مع التقدّم الملحوظ في مشاريع تحلية مياه البحر لضمان الأمن المائي والغذائي.
وركّز المتحدث على إيلاء الأهمية للعنصر البشري والدور الريادي للجامعة، مع التركيز على دور الشباب والجامعة الجزائرية في قيادة اقتصاد المعرفة، مشيرا إلى أنّ «إنشاء المؤسّسات والشركات الفرعية داخل الحرم الجامعي أصبح خيارا استراتيجيا يُسهم في تنويع مداخيل الجامعات وتخفيف العبء عن ميزانية الدولة، إلى جانب رعاية المؤسّسات الناشئة ومشاريع الرّقمنة والبيانات الضخمة».
ثمار الإصلاحات ومؤشّرات الأداء الميداني
عن حصيلة المسار الإصلاحي، أوضح حاكمي أنّ «حزمة التدابير التشريعية والتنظيمية المتخذة مؤخّرا، وعلى رأسها صدور قانون الاستثمار، وتفعيل الشباك الوحيد للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، والإصلاحات الجبائية والمصرفية، فضلا عن الحوار المباشر والدائم بين القيادة السياسية والمتعاملين الاقتصاديّين والولاة، قد أعطت ثمارا ملموسة شهدت بها التقارير الدولية.
تتجلّى هذه الإنجازات في المقام الأول -يقول حاكمي- في تسارع النمو خارج المحروقات، حيث يشهد الاقتصاد غير النفطي حركية نوعية تدفع الناتج المحلي الخام، لاسيما عبر قطاعات الصناعة (بمعدلات نمو متوقّعة تتجاوز 5.5 بالمائة سنويا)، والفلاحة، والبناء، وهو ما رافقه ارتفاع لافت في حصة الإيرادات غير النفطية في الخزينة العامة.
وأضاف حاكمي أنّ السنوات الأخيرة سجّلت «طفرة تصديرية لافتة، إذ سجّلت الصادرات خارج المحروقات قفزة واعدة شملت المواد المصنّعة ومواد البناء والمنتجات الفلاحية، ممّا يدل على بداية اختراق حقيقي للمنتوج الجزائري للأسواق الإفريقية والعالمية، رغم أنّ الطموحات المسطّرة من قِبل وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات تتطلّب بذل المزيد بالتعاون مع الفاعلين».
واعتبر حاكمي أنّ توفير مناخ استثماري جاذب مبني على توفير العقار الاقتصادي والتسهيلات الجبائية والجمركية أسهم في إزالة التعقيدات وجذب المستثمرين المحليّين والأجانب، وتكثيف وتيرة استحداث المؤسّسات المصغّرة والمتوسطة.
ومن ثمار الإنجازات التي لابد من الاستفادة منها -يقول حاكمي-: «تطور المنشآت القاعدية، والتقدّم السريع في ربط المناجم الكبرى بشبكات السّكك الحديدية الحديثة، والتوسّع في محطات التحلية لمواجهة التقلّبات المناخية وتأمين الاحتياجات الصناعية والفلاحية».
استكمال المسار وبناء المستقبل
في شأن متّصل، نبّه حاكمي إلى أنّ بلوغ اقتصاد عصري وتنافسي بصورة تامة يظل مشروطا بمواصلة العمل على محاور أساسية، أبرزها، تسريع وتيرة الرّقمنة الشاملة من خلال ربط كافة الإدارات المالية والاقتصادية بقواعد الشفافية ومحاربة البيروقراطية لتعزيز ثقة المستثمرين، إلى جانب الحرص على رفع إنتاجية العمل والبحث العلمي مع التركيز على كفاءة اليد العاملة والإنتاجية في القطاعات ذات الأولوية (الفلاحة، الصناعة، والتجارة)، وتجسيد الربط العضوي بين مخرجات الجامعة وحاجيات السوق الصناعية، إضافة إلى تعميق الاندماج الدبلوماسي والتجاري والعمل على تعبئة السفارات والقنصليات الجزائرية في الخارج كأدوات للدبلوماسية الاقتصادية، لاستكشاف فرص جديدة للمنتج الجزائري وربطه بسلاسل القيمة الدولية.
وختم حاكمي تصريحاته بالقول: «إنّ الجزائر تملك اليوم مقوّمات استثنائية وإرادة سياسية لم تتوفّر من قبل. ما نحتاجه حاليا هو تضافر جهود جميع الفاعلين والإيمان الراسخ بقدراتنا الوطنية؛ فالعبور نحو مستقبل مزدهر لن يتحقّق إلا بسواعدنا المشتركة، وعبر تلاحم حقيقي بين القطاع العمومي، والخاص، والأسرة الأكاديمية والجامعية».




