إدمـــاج الســـوق الموازيـــة لحماية الخزينـة العموميــة ورفـع كفـــاءة المؤسّســات الوطنيــــة
الإصلاحــات الاقتصاديـــة حــرّرت المبـادرة وعــــزّزت الإنــتـــاج الوطنــي.. لا مكــان للفســــاد
توطـــين الصناعـــة والتكنولوجيـــا أولويــــة والمشاريــــع الكـــبرى خطــــوة لتعزيــــز السيـــــادة
يقوم التوجه الاقتصادي الذي أكّد عليه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، على بناء اقتصاد وطني قوي ومتنوع وتنافسي، قادر على مواجهة التقلبات العالمية، من خلال مواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسّساتية، وتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع الاستثمار وتوطين الصناعة، وتعزيز الإنتاج المحلي والصادرات خارج المحروقات.
في هذا الإطار، شدّد رئيس الجمهورية على ضرورة مرافقة المتعاملين الاقتصاديّين النزهاء، وتحرير المبادرة الاقتصادية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يسمح بخلق الثروة ودعم النمو الاقتصادي. ويبرز هذا التوجّه أهمية الدور الذي ينتظر القطاع الخاص في تنشيط الاقتصاد الوطني، من خلال الاستثمار وخلق القيمة والمساهمة في المشاريع الاستراتيجية، في ظل قوانين محفّزة وضمان المنافسة العادلة وتكافؤ الفرص مع القطاع العمومي، كما يقتضي تجسيد هذه الرؤية مواصلة تقليص العراقيل البيروقراطية، وضمان استقرار التشريعات المنظمة للاستثمار، وتحسين فرص الحصول على التمويل، وحماية المستثمرين الذين ينشطون في إطار القوانين المعمول بها.
في السياق، أكّد أستاذ الاقتصاد بجامعة تبسة، عثمان عثامنية، أنّ تنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز الإنتاج المحلي وتقوية الشراكة بين القطاعين العام والخاص تمثل محاور أساسية لبناء اقتصاد قادر على مواجهة التقلّبات العالمية، مشيرا إلى ضرورة مرافقة المتعاملين الاقتصاديّين النزهاء وتقليص العراقيل البيروقراطية وضمان استقرار التشريعات المنظمة للاستثمار.
الشراكـــــة بــــين القطاعــــين العـــام والخــــاص
أشار عثامنية إلى أنّ رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون شدّد، خلال إشرافه منتصف شهر أكتوبر على فعاليات المنتدى الدوري الذي نظّمه مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، على مواصلة مساعي السلطات لبناء اقتصاد قوي ومتنوّع وتنافسي، قادر على مواجهة التقلبات العالمية، إلى جانب تشجيع ومرافقة المتعاملين الاقتصاديّين النزهاء وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق النمو.
وأوضح عثامنية أنّ هذا التوجه يرتبط بمحورين أساسيّين، يتمثل الأول في مساعي السلطات الجزائرية منذ سنوات قليلة لبناء اقتصاد متنوّع من خلال الإصلاحات التشريعية والمؤسّساتية الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال، وتشجيع المستثمرين المحليّين وجذب المستثمرين الأجانب، فضلا عن تنويع مصادر الدخل الوطني من خلال تعزيز الصادرات خارج المحروقات، وهو ما تطلّب دفع نمو القطاعات الاقتصادية الأخرى، على غرار الصناعة والفلاحة والسياحة.
وأشار عثامنية إلى أنّ الجزائر حقّقت عدة نتائج مهمة، حيث وصلت مساهمة قطاعي الصناعة والفلاحة في الناتج المحلي الخام إلى أكثر من 10 و15 بالمائة على التوالي، كما يتوقّع أن تصل الصادرات خارج المحروقات إلى حوالي 5 ملايير دولار أمريكي نهاية العام الجاري، وأضاف أنّ رئيس الجمهورية أشار إلى تحقيق الجزائر الاكتفاء الذاتي في مادة البنزين، وفي إنتاج الدواء بنسبة تتعدّى 84 بالمائة، مع الاقتراب من تحقيق الاكتفاء في مواد أخرى، على غرار الحبوب والمازوت، وهو ما أدى إلى تراجع فاتورة الواردات إلى 42 مليار دولار، بما يعكس تحوّلا هيكليا مهما في طبيعة الاقتصاد الوطني.
تعزيــز توطــين الصناعـــــة محليـــــاً
فيما يتعلق بمناخ الأعمال، أوضح عثمانية أنّ الإصلاحات التي ركّزت على مختلف الجوانب ساهمت في جذب المستثمرين الأجانب إلى قطاعات متعدّدة، مشيرا إلى أنّ رئيس الجمهورية تحدث عن 13000 مشروع استثماري، وأضاف أنّ ما يميّز هذه المرحلة هو التوجّه نحو توطين الصناعة محليا، مبرزا أنّ الجزائر تستهدف إنتاج أول سيارة جزائرية قبل نهاية عام 2028، وهو هدف طموح يتطلّب كثيرا من العمل، وفق ما تحدث عنه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال لقائه مع المتعاملين الاقتصاديّين.
وفي هذا الإطار، أكّد محدثنا أنّ المشاريع التي باشرتها السلطات العليا في البلاد تحت قيادة الرئيس تبون، على غرار مشروع استغلال وتحويل الحديد الخام بغارا جبيلات، تمثل خطوة مهمة لتعزيز السيادة الصناعية، في ظل السعي إلى نقل التكنولوجيا من الشركاء الاقتصاديّين، مثل إيطاليا، والاستفادة من المقدّرات الهائلة التي تتوفّر عليها الجزائر وموقعها الاستراتيجي الذي يجعلها عنصرا مهما في سلاسل الإمداد العالمية، كما أشار إلى أنّ تنويع الشركاء الاقتصاديّين والتجاريّين في فضائي البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا يعزّز موقع الجزائر في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تميّز عدة مناطق من العالم، وأضاف أنّ الرهان اليوم، مع تحقيق معدلات نمو اقتصادي إيجابية خلال السنوات الماضية، يتمثل في المحافظة على نمو إيجابي وتعزيزه بما ينعكس على الدخل الفردي ومستوى معيشة الجزائريّين.
تحريـر الاقتصـاد بإنهـــاء العراقيــــل
أمّا المحور الثاني، فيتعلق بحسب عثمانية، بدعم المتعاملين الاقتصاديّين النزهاء وتحرير الاقتصاد، حيث تسعى الدولة إلى مواصلة التحول من الاقتصاد المسيّر إلى الاقتصاد الحرّ، رغم أنّ مسار التحول بدأ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنّ البيروقراطية وتسلّط الإدارة حالا دون اكتماله والوصول إلى تحرير المبادرة الاقتصادية، أمّا النزاهة –في الجانب الثاني- فهي شرط أساسي للحصول على دعم السلطات، وذلك في سياق كشف وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات عن رصد حالات مشبوهة في ملفات البرامج التقديرية للاستيراد، وهي ممارسات كثيرة تستنزف احتياطات النقد الأجنبي ولا تقدّم قيمة اقتصادية حقيقية.
وأكّد محدثنا أنّ هذا الوضع يبرز دور الإدارات المختلفة في دراسة الملفات والكشف عن محاولات الاحتيال والفساد، واتخاذ الإجراءات العقابية بعد ذلك.
ويرتبط الجانب الثالث بضرورة تعزيز الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص، وهو ما يتطلّب تعزيز الثقة بين الطرفين، واعتبر أنّ هذا الجانب يكتسي أهمية كبيرة في ظل سياسة الإنفاق والاستثمار النشطة التي تتّبعها السلطات منذ فترة، والشروع في عدة مشاريع استراتيجية، على غرار مشروع الفوسفات المدمج شرق البلاد، ومشاريع البنية التحتية الضخمة في مختلف مناطق الوطن.
وأوضح عثامنية أنّ هذه المشاريع تعكس طلبا هائلا تخلقه السلطات داخليا، يمكن أن يؤدي في النهاية إلى انتعاش العديد من مجالات نشاط المتعاملين الخواص.ويتعلّق الجانب الرابع بضرورة توفير المعلومات الاقتصادية الضرورية، وذلك بشكل دقيق ومستمر، وبالشكل المناسب وفي الوقت المناسب، وهو ما يتطلّب نظام معلومات وطني كفؤ.
استقـــرار التشريعـــات والتمويـــل
شدّد عثمانية على أنّ تجسيد هذا التوجّه الذي أكّد عليه رئيس الجمهورية يتطلّب مواصلة تذليل العراقيل البيروقراطية، وضمان استقرار القوانين والتشريعات التي تنظم الاستثمار، وتحسين إمكانية وصول المتعاملين الخواص إلى التمويل، إلى جانب حماية المستثمر الذي ينشط وفقا للقوانين والأنظمة المعمول بها.
وأضاف أنّ رئيس الجمهورية حدّد نهاية سنة 2027 أفقا لبناء اقتصاد قوي ومتنوّع، مع التأكيد في كل مناسبة على استمرار الدور الاجتماعي للدولة، غير أنّ مساعي السلطات تواجه العديد من التحديات.
وأشار عثمانية إلى أنّ الحجم الكبير للسوق الموازية يبرز أهمية مواصلة الجهود لإدماج النشاط الاقتصادي ضمن الأطر الرسمية، بما يُسهم في حماية موارد الخزينة العمومية، كما أوضح أنّ تحسين أداء المؤسّسات العمومية وتعزيز كفاءتها الاقتصادية يمثلان محورا آخر يستدعي الاهتمام، بالنظر إلى أن أداء عدة مؤسّسات عمومية بعيد جدا عن الكفاءة الاقتصادية، ما يجعلها عبئا على خزينة الدولة.
وفي تحليله، أوضح عثمانية أنّ ما أكّده رئيس الجمهورية مؤخّرا يمكن قراءته بوصفه تحوّلا في التوجه الاقتصادي للجزائر، من خلال تشجيع الاستثمار وتقوية الجهاز الإنتاجي الوطني وإحلال المنتجات المحلية محل الواردات.
وخلص الخبير إلى أنّ ذلك يتطلّب اندماج جميع الفاعلين في هذا المسعى، من مؤسّسات تشريعية واقتصادية ومتعاملين اقتصاديّين خواص، وحتى منظمات المجتمع المدني، للوصول إلى الغاية الأسمى المتمثلة في بناء اقتصاد قادر على خلق القيمة والصمود أمام التحديات الإقليمية والعالمية المتزايدة.




