تظاهر مئات آلاف المحتجّين في العديد من المدن الفرنسية، بعد ظهر يوم السبت، رفضا لغلاء المعيشة وتدهور ظروف التعليم والخدمات العامة، في ثالث تعبئة أسبوعية متتالية يشارك فيها طلاب الجامعات وتلاميذ الثانويات والنقابات العمالية و»السترات الصفراء»، وسط انتشار أمني مكثّف.
وقبيل انطلاق المسيرات، دعت منظمات تمثّل التلاميذ والطلاب إلى تجديد إغلاق الثانويات والجامعات بدءا من يوم غد الثلاثاء، بعد عطلة خريفية في فرنسا استمرت أسبوعين ولم تشهد توقف الاحتجاجات، رغم رهان الحكومة على تهدئة الحراك خلالها وبفضل عدد من التدابير التي أعلنت عنها الأسبوع الماضي.
وفي السياق، أعلنت وزارة الداخلية، في حصيلة نشرتها قرابة الخامسة عصرا، مشاركة 320 ألف متظاهر في جميع أنحاء فرنسا، بينهم 70 ألفا في باريس، فيما قدّرت التنسيقية النقابية للمنظمات الشبابية عدد المشاركين بنحو نصف مليون، بينهم 200 ألف في العاصمة.
وتشير الحصيلتان إلى تراجع المشاركة مقارنة بالحشود التي خرجت يوم السبت الماضي. وشملت تظاهرات السبت نحو 150 مسيرة وتجمعا جرى ترخيصها في عشرات المدن الفرنسية، بحسب وزارة الداخلية.
وفي إحاطة للصحافة أدلى بها قرابة الساعة الثامنة مساء، أعلن وزير الداخلية لوران نونييز توقيف 422 شخصا في عموم فرنسا حتى لحظة حديثه إلى الإعلام، وكشف عن قيام قوات الأمن بنحو 40 ألف عملية تفتيش منذ الصباح، من بينها 15 ألفا في باريس ومحيطها. وقال إن المسيرات «جرت بصورة جيدة» عموما، وإن إبعادها عن مراكز المدن كان «قرارا صائبا»، معتبرا أن ذلك لم يمسّ بحرية التظاهر، لكن الوزير اتهم مجموعات ممّن وصفهم بـ «المخرّبين والناهبين» بمهاجمة قوات الأمن ومحاولة الوصول إلى مراكز المدن التي مُنعت التظاهرات فيها، قائلا أن كثيرا من هذه المجموعات ينتمي إلى «أقصى اليسار» و»اليسار المتطرف الراديكالي».
مواجهات واحتكاكات
وبعدما اتّسمت معظم التظاهرات بالهدوء خلال الساعات الأولى، شهدت مدن عدة توترات ومواجهات عند انتهاء المسيرات وبدء قوات الأمن تفريق المشاركين. وفي باريس، انطلقت المسيرة بعيد الثانية ظهرا بالتوقيت المحلي من بورت دو بانيوليه، على الأطراف الشرقية للعاصمة، تتقدمها لافتات المنظمات الطلابية والنقابات العمالية، وانضم إليها زعيم «فرنسا الأبية» اليساري جان لوك ميلانشون وعدد من نواب حزبه. وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على المسيرة واندفعت نحو الحشود لتفريقها عند مكان انتهاء التظاهرة في بورت دو شارونتون، فيما أفادت قناة «بي إف إم» الإخبارية بأن أشخاصا رشقوا قوات الأمن بالمفرقعات.
وفي مرسيليا أيضا، جنوبي البلاد، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع، وقنابل تفريق الحشود بعد مسيرة جرت بهدوء رغم عدم حصولها على تصريح من السلطات المحلية. كما وقعت مواجهات واحتكاكات في مدن أخرى، مثل نانت وتولوز ورين وليون وغرونوبل، بالتزامن مع تأهّب قوات الأمن حتى ساعات متأخرة من المساء، تحسبا لتجمعات احتجاجية قد تختلط بمجموعات المحتفلين بهالووين.
وكانت السلطات نشرت 70 ألف شرطي ودركي لضبط تظاهرات السبت، بمشاركة وحدات تدخّل خاصة والاستعانة بعربات مصفّحة ومروحيات ومسيّرات، مع استمرار القيود على التظاهر في العديد من مراكز المدن.
دعــوة ماكـرون للرّحيـل
سياسيا، جدّد زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري ومرشحه للرئاسيات المقبلة، جان لوك ميلانشون، دعوته ماكرون إلى «التنازل أو الرحيل»، معتبرا أن الحشود كانت بحجم الأسبوع الماضي وبالقدر نفسه من الانضباط، رغم المعوقات التي فرضها إغلاق خطوط ومحطات الميترو، وتغيير مكان التجمع، إلى جانب ما وصفه بحملة التخويف الإعلامية. واتهم وسائل الإعلام بالتقليل من أعداد المتظاهرين ودفع الرئيس إلى إطالة «اختبار القوة»، في إشارة إلى المواجهة المستمرة منذ نحو شهر ونصف بين المحتجين والسلطات.
هذا، وكانت موجة الاحتجاجات قد بدأت في منتصف أكتوبر بمطالب تتعلق بدعم الكوادر التعليمية وتحسين تجهيز المدارس، قبل أن تتّسع رقعتها وتنضم إليها فئات أخرى، وتتركز مطالبها بصورة متزايدة على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.
