إن الجوانب التي تستوجب الدراسة في شخصية ابن اليقظان عديدة ، فقد كان الرجل مثل غيره من رواد الإصلاح يجمع في حناياه بين العلم الغزير والعمل المثمر.. فهو شاعر حساس يتنزى ألما لمأساة الشعب الجزائري كما يهتز طربا للنهضة في المشرق العربي ، فهو مؤرخ يقظ يسجل الجليل والحقير في مذكراته التي لم تفارقه منذ سنة (1919) ، وهو عالم بالشريعة الإسلامية يحرر فيها الرسائل ، ويؤلف الكتب للنشء الجزائري تبسيطا وتوعية ، وهو قبل هذا وذاك صحفي مقتدر أعطى للصحافة العربية كل ما يملك من نفيس حين اتخذ منها وسيلة مختارة للاتصال بالجماهير في سبيل نهضة عربية مسلمة.
لقد بدأ الحس الصحافي يتكون عنده منذ أيام التلمذة، حينما كان يختلف إلى كتاب القرية ولم يمنعه انعزال ببلدته (القرارة) في جنوب الجزائر بعيداً عن الأحداث، من أن تصل يداه إلى الصحف العربية التونسية منها والمشرقية، وكانت الأحداث المهولة التي مر بها الوطن الإسلامي قبيل الحرب العالمية الأولى ولا سيما الغزو الإيطالي لطرابلس من أكبر الأسباب التي فتحت عينيه على الصحافة فشغف بها وراح يتبادل الصحيفة مع أصدقائه كما تتبادل أعز الكتب وأنفسها، وتطلعت نفسه الطموح إلى تحرير صحيفة بخط يده اسمها «قوت الأرواح» تعبيراً عن هذا الميل الذي يسميه هو «ميلا فطريا غريزيا».
وتطور هذا العمل الذي اعتبره شبيها «بلعب الأطفال» إلى مشاركة ناضجة فعالة في الصحافة التونسية، حيث كان طالبا بالزيتونة والخلدونية ما بين (1917 – 1925) يكتب عن المواضيع الوطنية والتربية الاجتماعية وكانت المنير، الاتحاد، ولسان الشعب في تونس، والفاروق والنجاح، والصديق، والإقدام والمنتقد في الجزائر، تحتضن نتاجه شعراً ونثراً ولكن الحادث الذي دفع به إلى ميدان الصحافة، بجريدة يؤسسها بنفسه هو ذلك القانون الجائر الذي أصدرته الحكومة الفرنسية سنة (1925) والذي ألزمت بموجبه التجنيد الإجباري على سكان الجنوب نقضا لكل المعاهدات والذي كان على حد تعبير أبي اليقظان «حكم على الأمة جميعا بالإعدام» (1) وفي أول أكتوبر من سنة 1926 صدر العدد الأول من (وادي ميزاب) ليواجه ظروفا مادية صعبة ومستعمرا قاسيا يلوح بقانون المصادرة كلما حلا له أن يفعل ذلك، وكان على أبي اليقظان أن يتحمل مسؤولية جريدة تطبع بتونس بينما جمهور قرائها ومحررها بالجزائر واستطاع أن تتخطى كل العراقيل مدة سنتين وبضعة أشهر أصدرت بها 119 عددا.
وتوالت المحن القاسية على أبي اليقظان تترى واحدة بعد الأخرى، تعرض للسجن والنفي، وتحمل النفقات المادية الهائلة، وعوقب بمصادرة ثماني جرائد استقطها يد الاستعمار جميعها في مدة لم تتجاوز اثني عشر عاما (1926 – 1938).
ولم تعرف الجزائر في هذه الفترة صحفيا مصلحا تعرض لمثل ما تعرض له هذا الكاتب الجريء لأن المواضيع التي كان يعالجها، والأفكار الجريئة التي كان يصرح بها، والأسلوب الناري الذي كان يفرغ فيه مقالاته، بات كالغصص في حلق الاستعمار الفرنسي، فلم يستسغ منه هذا التطاول إلى سمعة (الأم الحنون)
«إن أمثال هذه الكوارث شيء عادي بالنسبة للصحافة خصوصاً في بلاد لم تكن فيها الصحافة الكافلة بحريتها كما هو المتعارف في البلاد الراقية، ولكن تجاوز طمها حسب مقتضيات السياسة إلى مديرها نفسه فحرمته من حقوقه الطبيعية وإلى قلمه فحجرت عليه الجولان في ميادينه المشروعة فصدرت الأوامر بذلك إلى أطراف البلاد كأنما هو ثائر مخطر يزلزل العروش ويزعزع قصور الملوك، وما هو لو نظرت السياسة بعين الحقيقة، إلا عبد ضعيف لا يملك بين يديه غير قلمه ولا يحمل بين جنبيه غير الصدق والإخلاص للإنسانية المسكينة (2)»
ولقد وصف الشيخ ابن باديس نضال ابن اليقظان حين راح يشجعه على المضي قدماً بقوله: «كانت نكبات أبي اليقظان في ميدان الصحافة كثيرة فقد عطل له وادي ميزاب، ثم ميزاب ثم المغرب وصدر الأمر بتعطيل كل ما يصدر في مثل تلك اللهجة من الصحف يحمل اسم أبي اليقظان، ولكن صديقنا رأى أن العاصفة قد خفت وأن الأفكار قد هأت من ناحيته فأصدر جريدة «النور» وسرنا جد السرور أن صاحبها الصحفي المقتدر لم يلتفت للماضي وحوادثه المظلمة أية لفتة، بل جعل همه النظر إلى الأمام فقط.. سدد الله خطاه.. (1)»
لقد بات من الواضح إذاً بأنه كان يهدف منذ التخطيط الأول إلى اتخاذ الصحافة العربية، أداة إيقاظ للأمة الجزائرية خاصة، والإسلامية عامة، يمد ببصره إلى كل أفق ويعالج بقلمه كل المشاكل وذلك ببث الأخلاق الفاضلة، والدعوة والإرشاد، والحث على العمل، فإن الصحافة هي لسان الأمة الذلق الفصيح وترجمانه الأمين ولا نظن أن عاقلاً يشك في هذا أو ينكره.. (4)»
لقد برّ أبو اليقظان بوعده، وسار في الخط الذي رسمه لصحافته إلى نهاية الشوط، وإن من يقارن بين المبادئ التي افتتح بها العدد الأول من أول جريدة أصدرها في سنة (1926) وبين المواضيع التي عالجها فعلاً في جرائده الثمانية حتى سنة 1938 ليرى بوضوح كيف كان الفكر الإصلاحي في الجزائر لا يقل انطلاقاً وتفتحاً عن الفكر الإصلاحي في غيره من بلاد الوطن العربي والإسلامي إن لم يكن له فضل الريادة والموقف الصريح في كثير من المشاكل الشائكة.
11 أفريل 1974





