استمراريــة حضاريـة تربـــط الماضــي بالحاضــر
لطالما شكّل شهر رمضان للجزائريين محطة مباركة، تتلاقى فيها الروحانية العميقة بالروابط الاجتماعية المتينة، في مشهد ثقافي يعكس هوية أصيلة لم تنقطع جذورها عبر الزمن. ولعل ما نشهده اليوم، من اعتماد المؤسسات الثقافية برامج رمضانية خاصة، ليس إلا امتدادا طبيعيا لتلك التقاليد العريقة، وصوناً لذاكرة شعب جعل من الشهر الفضيل موسما للعبادة، وأيضا لإحياء التراث وتجديد قيم التضامن والمحبة، في استمرارية حضارية تربط الماضي بالحاضر.
حينما نتحدّث عن البرامج الرمضانية للمؤسسات الثقافية، فنحن في الحقيقة نستحضر امتدادا عريقا لاحتفاء الجزائريين بهذا الشهر عبر العصور، في مشهدية تعكس استمرارية التقاليد والروحانية في ذاكرتنا الجمعية.يحتفل الجزائريون برمضان عبر التاريخ، بأجواء روحانية واجتماعية وثقافية فريدة، تمزج بين العبادة وتوارث التقاليد. وتكون البداية بالاستعدادات أو»التشعبينة» أو «الشعبانية» (نسبة إلى شعبان) كما تسمى في مختلف مناطق الوطن، حيث يحرص الجزائريون على تنظيف البيوت، وتجديد أواني المطبخ، وتأخذ بُعدا روحيا في جنوبنا الكبير بالحرص على التصالح وتصفية القلوب قبل دخول الشهر.
كما يحتفل الجزائريون بليلة منتصف رمضان، المعروفة بـ «النّصاف» أو «النصفية»، بإحياء عادات راسخة تمزج بين الروحانيات والاحتفال العائلي، حيث يتم تحضير أطباق تقليدية مميزة، وقد تشهد هذه الليلة (أو ليلة الـ 27) ختان الأطفال، وتوزيع الصدقات، وزيادة الإقبال على التراويح وقراءة القرآن. وتُعد ليلة النصف فرصة لتجديد الحماس للعبادة والاستعداد للعشر الأواخر من الشهر الفضيل.ويحتفي الجزائريون بالأطفال الصائمين لأوّل مرة، مثلا، يحظى هؤلاء في منطقة القبائل بإفطار من أشهى الأطباق وفوق سطح المنزل (أو مكان مرتفع فيه)، دلالة على الإنجاز العظيم للطفل وعلوّ شأنه في الأسرة، حاضرا ومستقبلا.ولا ننسى احتفال الجزائريين الخاص بعيد الفطر (وهو امتداد للشهر الفضيل)، والذي يشمل، بالإضافة إلى جانبه الديني، الكثير من العادات والطقوس التي يتجلى فيها تراث عريق ومتنوع.
تقاليد متجذّرة في التّاريخ
ويتطرق الباحث سعدون بخاخ (جامعة تلمسان) إلى شعائر وعادات واحتفالات الجزائريين برمضان خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويلاحظ حضور صيام شهر رمضان ضمن الكتابات التاريخية المحلية منها والأجنبية. وإذا كانت الكتابات المحلية تركز على شعائر المسلمين وعباداتهم، فإن الكتابات الأجنبية ركز فيها أصحابها على العادات في كثير من الأحيان، «غير أنه بقراءة تركيبية لما جاء في الكتابات المحلية والأجنبية على سواء، تتضح لنا جوانب هامة من ذهنية وممارسات الجزائريين المتعلقة بشهر رمضان، كما أننا نقف على استمرارية وانقطاع بعض العادات»، يقول بخاخ.وتشير كتابات تاريخية إلى أن رمضان «شهر الحلويات»، لاحتفاء الجزائريين به بتحضير مختلف الحلويات والمأكولات النابعة من تراثهم العريق.ووفقا للباحث، فإن من بين العادات المرتبطة بالشهر الفضيل، والتي ركزت علیها کتابات الأوروبیین (في القرن التاسع عشر)، هي لیالي رمضان، وما كان يتم فيها من احتفالات وسهرات وزيارات للأقارب، حيث كانت تعرف شوارع الجزائر وقسنطينة (مثلا) خروج الجزائريين للتجول أو لمشاهدة الألعاب البهلوانية، وسماع القوالين والمداحين، كما كانت المقاهي تضاء بالشموع والمصابيح. وبالإضافة إلى ما سبق، كانت تقام حفلات ومسرحيات القراقوز، التي كان يحضرها الجزائريون والأوروبيون على سواء، لما كانت تتميز هذه المسرحيات من طرافة وفكاهة، «غير أن الفرنسيين ألغوا هذه الحفلات عندما وجدوا أن الجزائريين أصبحوا يستهزؤون من فرنسا في مشاهد تجسّد روح المقاومة الجزائرية».
أما ليلة القدر، فلها طقوسها الخاصة التي يتم التحضير لها طيلة ليالي الشهر، حيث يتحدّث ابن حمادوش (أحد علماء الجزائر) في رحلته عن قراءة أبواب من صحيح البخاري كل يوم إلى غاية ختمه في ليلة السابع
والعشرين، وحينها تقرأ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفق صيغة محددة (اللّهم صلّ أفضل صلاتك على أشرف مخلوقاتك، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم عدد معلوماتك ومداد كلماتك كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذکره الغافلون)..كما جرت العادة في نفس الليلة أن تشعل الشموع ويتم التجول في أرجاء المدينة مع الإنشاد والصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – وكانت تلك اللیلة تعرف بقیام اللیل. من جانبه، يذكرأحمد الشریف الزهار أن قراءة صحيح البخاري كانت تبدأ شهر رجب، ليكون الختام في ليلة السابع والعشرين من رمضان، فضلا عن صلاة التراويح التي يختم فيها القرآن الكريم.
وما زالت الأجيال تتوارث هذه المظاهر، التي تجعل من رمضان في الجزائر شهر تلاحم اجتماعي وثقافي بامتياز.






