أكّد الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة، أنّ الجزائر تسير في الاتجاه الصّحيح نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بالتغيرات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية، التي تؤثر على أسواق الغذاء، موضّحا أنّ النتائج الحقيقية لهذه السياسات ستظهر خلال السنوات المقبلة، مع اكتمال المشاريع الزراعية الكبرى، ما قد يسمح للجزائر ليس فقط بتغطية احتياجاتها الوطنية، بل بالتحول تدريجيا إلى بلد مصدّر لبعض المنتجات الفلاحية والمساهمة في الأمن الغذائي الإقليمي.
قال الخبير الفلاحي، في تصريح لـ «الشعب»، «إنّ تصنيف الجزائر كأول بلد إفريقي في مؤشّر الأنظمة الغذائية الصامدة (RFSI) واحتلالها المرتبة 32 عالميا من بين 60 دولة، يعكس واقعا ميدانيا يشهده القطاع الفلاحي خلال السنوات الأخيرة»، مشيرا إلى أنّ هذا الترتيب مكّن الجزائر من تصدّر القارة الإفريقية متقدّمة على دول تعد تقليديا قوى فلاحية، مثل جنوب إفريقيا ومصر، كما تحتل المرتبة الثالثة عربيا بعد قطر والسعودية.
75 بالمائة من الاحتياجات الغذائية تنتج محليا
أوضح بوخالفة أنّ قراءة هذا التصنيف تقتضي التمييز بين مفهومين أساسيين، هما الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، فالاكتفاء الذاتي يعني، مثلما قال، «قدرة الدولة على إنتاج كل ما يحتاجه المواطن محليا، في حين يشير الأمن الغذائي إلى قدرة الدولة على تلبية حاجيات السكان من المواد الغذائية سواء عبر الإنتاج المحلي أو الاستيراد»، وفي الحالتين -يضيف المتحدث- فإنّ الجزائر حقّقت مراتب متقدمة، حيث يتم إنتاج نحو 75 بالمائة من احتياجات المواطنين الغذائية محليا، خاصة فيما يتعلّق بالخضر والفواكه ونسب معتبرة من اللّحوم البيضاء ومنتجات أخرى.
وبالرغم من هذا التقدّم، تبقى الجزائر -بحسب الخبير- مرتبطة باستيراد بعض المواد ذات الاستهلاك الواسع، وعلى رأسها الحبوب، إذ تستورد سنويا ما بين 70 و80 مليون قنطار بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، كما تستورد اللّحوم الحمراء نظرا لارتفاع أسعارها في السوق الوطنية، إضافة إلى السكر والزيوت النباتية وبعض المواد الأولية المرتبطة بالصناعات الغذائية.
ولتقليص فاتورة الاستيراد، قال بوخالفة: «إنّ الدولة وضعت برنامجا طموحا يقوم على تطوير ما يعرف بالزراعات الاستراتيجية، على غرار زراعة الحبوب بمختلف أنواعها، مثل القمح الصلب واللين والشعير والذرة الصفراء، إلى جانب النباتات الزيتية التي تسمح بإنتاج الزيوت محليا، فضلا عن النباتات السكرية مثل قصب السكر والشمندر السكري لإنتاج السكر».
ولتحقيق هذه الأهداف، يشهد القطاع الفلاحي – وفق المتحدث – اهتماما متزايدا من المتعاملين الاقتصاديين الوطنيين والدوليين، للاستثمار فيه والاستفادة من المزايا المتاحة في السوق الجزائرية، حيث تم إطلاق مشاريع كبرى في هذا المجال، من أبرزها المشروع الزراعي الضّخم الذي تشرف عليه شركة «بلدنا» القطرية لاستغلال نحو 117 ألف هكتار لإنتاج الحبوب والأعلاف واللّحوم الحمراء والحليب، إلى جانب مشروع آخر لا يقل أهمية يتمثل في الشراكة المبرمة بين الجزائر وشركة «BF» الإيطالية لإنتاج القمح الصلب ومشتقاته.
تصنيف الجزائر المتقدم في المؤشّر الدولي أمر منطقي
يرى الخبير أنّ هذه المشاريع تعكس توجّها واضحا نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي، وهو ما يجعل تصنيف الجزائر في هذا المؤشّر الدولي أمرا منطقيا يعكس الإمكانات المتوفرة والإرادة السياسية المرافقة لتطوير القطاع.
وبلغة الأرقام، أشار المتحدث إلى أنّ قيمة الإنتاج الفلاحي في الجزائر بلغت نحو 38 مليار دولار، في حين يساهم القطاع بنسبة تتراوح بين 12 و15 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، كما يوفّر حوالي 25 بالمائة من مناصب العمل، ما يجعله قطاعا استراتيجيا ينافس حتى قطاعات تقليدية مثل الطاقة والمحروقات.
ويرى الخبير أنّ الفلاحة مرشّحة لأن تصبح العمود الفقري للاقتصاد الوطني مستقبلا، خاصة مع التوجه نحو تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على المحروقات. وفي تفسيره لقدرة الجزائر على تحقيق هذا التحول، يؤكّد الخبير أنّ الفلاحة ترتكز أساسا على ثلاثة عناصر رئيسية، هي الأرض والمياه والشمس، وهي عناصر متوفرة بكميات معتبرة في الجزائر، ما يمنحها إمكانات كبيرة لتطوير الإنتاج الزراعي، كما أنّ التوجّهات الاستراتيجية التي يقودها رئيس الجمهورية، لاسيما توسيع المساحات المخصّصة لزراعة الحبوب إلى ثلاثة ملايين هكتار، تمكّن الجزائر من تغطية احتياجاتها الوطنية التي تقدّر بنحو 120 مليون قنطار سنويا، في حين لا يتجاوز الإنتاج حاليا 40 مليون قنطار.
دعم البحث العلمي والتقنيات الحديثة
في إطار تعزيز الإنتاجية الزراعية، شدّد الخبير الفلاحي على أهمية التنسيق بين وزارتي الفلاحة والتعليم العالي والبحث العلمي، من أجل إدماج التقنيات الحديثة في القطاع، سواء من خلال اختيار البذور المتأقلمة مع المناخ والتربة، أو تطوير الأسمدة الملائمة، أو اعتماد تقنيات الرّي الذكي التي تكتسي أهمية متزايدة، في ظل التغيّرات المناخية وندرة الموارد المائية في العديد من مناطق العالم.
كما أشار إلى القرارات التي اتخذتها السلطات العمومية في هذا المجال، ومنها إنشاء البنك الوطني للبذور والبنك الوطني للجينات، إضافة إلى المجلس الوطني للمكننة الفلاحية واستيراد العتاد الفلاحي، ووضعه تحت تصرّف المزارعين عبر التعاونيات الفلاحية.
توسيع قدرات التخزين والتحويل
فيما يتعلق بالبنية التحتية، أوضح الخبير أنّ تطوير الإنتاج الفلاحي يجب أن يوازيه تطوير قدرات التخزين والتحويل والنقل، مشيرا إلى أنّ طاقة التخزين في الجزائر كانت لا تتجاوز 44 مليون قنطار، في حين تتراوح الاحتياجات بين 100 و120 مليون قنطار، لذلك أطلقت السلطات العمومية برنامجا واسعا لإنجاز 350 مركز تخزين جديد للحبوب، بهدف رفع القدرة الوطنية في هذا المجال. وأكّد أنّ هذه المشاريع ضرورية لضمان حفظ الإنتاج الوطني وتقليص الخسائر وتحسين إدارة المخزون الاستراتيجي.





