في سياق تتزايد فيه النقاشات حول الحريات العامة والحقوق الأساسية، جدّد «المجلس الوطني لحقوق الإنسان» في المغرب، في تقريره السنوي، دعوته إلى وقف مقاضاة الأفراد بسبب التعبير عن آرائهم، خاصة عبر منصّات التواصل الاجتماعي، مؤكّداً أنّ حماية حرية الرأي والصّحافة تشكّل ركيزة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي قائم على احترام الحقوق والحريات.
أبرز ما شدّد عليه «المجلس الوطني لحقوق الإنسان» في تقريره، هو ضرورة إنهاء ملاحقة الأشخاص بسبب آرائهم، بما في ذلك التدوينات والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبراً أنّ اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية في قضايا التعبير يشكّل مساساً بالحق في الرأي المكفول في المواثيق الدولية.
وسجّل استمرار محاكمات واعتقالات مرتبطة بالمحتوى المنشور في الفضاء الرقمي، داعيا السلطات القضائية إلى تفعيل مبدَأي الضرورة والتناسب عند إصدار الأحكام، بما يضمن عدم الإضرار بالحق الأصلي في حرية التعبير.
وأكّد التقرير أنّ حرية التعبير لا تقتصر على العمل الصحافي التقليدي، بل تشمل التعليقات السياسية والنقاشات العامة وقضايا حقوق الإنسان، وكل أشكال النشر الذاتي. كما شدّد على أنّ التحولات التي شهدها المجال الإعلامي، خاصة مع انتشار المنصات الرقمية، وسَّعت دائرة الفاعلين في مجال النشر لتشمل المدونين والمحللين والمراسلين غير المتفرغين.
وفي هذا السياق، عبّر المجلس عن رفضه لاستمرار متابعة بعض الأفراد بمقتضيات القانون الجنائي عوض قانون الصحافة والنشر.
رقابـة رقميــة
كما توقّف التقرير عند حالات تعرّض فيها صحافيون لتضييق أو اعتداءات لفظية وجسدية أثناء أداء مهامهم، داعياً إلى تعزيز آليات عدم الإفلات من العقاب وتشجيع المهنيين على التبليغ عن الانتهاكات. ولفت المجلس أيضاً إلى ما اعتبره رقابة رقمية عابرة للحدود، مارستها بعض منصّات التواصل الاجتماعي على محتويات مرتبطة بالحرب في غزة، سواء من قبل مواطنين أو مؤسّسات إعلامية، معتبراً أنّ مثل هذه الإجراءات قد تمسّ بحرية التعبير في الفضاء الرقمي العالمي.
أوضاع السّجـون
فيما يتعلّق بأوضاع أماكن الحرمان من الحرية، كشف تقرير»المجلس الوطني لحقوق الإنسان» عن تسجيل أكثر من 249 حالة وفاة خلال سنة 2024، في مختلف المؤسّسات السجنية وأماكن الحراسة النظرية.
وأفادت المعطيات الواردة في التقرير أنّ «المندوبية العامة لإدارة السجون» سجّلت 239 وفاة داخل المؤسّسات السجنية، من بينها 06 حالات لنساء. كما رصدت اللجان الجهوية التابعة للمجلس 92 حالة وفاة في مختلف أماكن الحرمان من الحرية، إضافة إلى 10 وفيات في أماكن الحراسة النظرية أو داخل مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية.
وبحسب التقرير، فإنّ الكثير من هذه الوفيات تعود إلى مضاعفات صحية وعدم استفادة المحبوسين من العلاج، فيما سجّلت بعض حالات الانتحار. مع العلم أنّ التحقيقات التي تفتح في الحالات التي تقدّم بشأنها شكايات، لا تنتهي إلى أي نتائج .
ورصد التقرير أيضاً ارتفاع عدد الإضرابات عن الطعام داخل السجون، حيث بلغ مجموع الحالات 1317 إضراباً خلال سنة 2024. وتنوّعت أسباب هذه الإضرابات بين الاحتجاج على ظروف الاعتقال، أو التظلّم من المتابعات والأحكام القضائية، أو المطالبة بالترحيل إلى مؤسّسات سجنية أخرى.
وأشار التقرير إلى أنّ بعض هذه الإضرابات استمرت لفترات طويلة تجاوزت شهرين، من بينها حالة بسجن الأوداية تجاوزت 70 يوماً، وأخرى بالسجن المحلي ببويزكارن استمرت 63 يوماً، إضافة إلى حالة بسجن وجدة بلغت 58 يوماً.
كما تلقى المجلس 142 شكاية تتعلّق بادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، من بينها شكايتان حول التعذيب و140 شكاية بشأن المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وشملت هذه الشكايات مؤسّسات أمنية مختلفة، إضافة إلى 128 شكاية داخل المؤسّسات السجنية.
في ختام تقريره، أوصى «المجلس الوطني لحقوق الإنسان» بتعديل مقتضيات القانون الجنائي لتتلاءم مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وضمان عدم المساس بحرية التعبير بعقوبات سالبة للحرية. كما دعا المجلس إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك حضور الدفاع منذ مرحلة البحث التمهيدي أثناء الحراسة النظرية، واعتماد التسجيل السمعي البصري أثناء تحرير محاضر الضابطة القضائية.
وشدّد التقرير كذلك على ضرورة ترشيد الاعتقال الاحتياطي وتفعيل نظام العقوبات البديلة للتخفيف من الاكتظاظ داخل السجون، إلى جانب تحسين الخدمات الصحية لفائدة السجناء.

