بوحاتم لـ«الشعب»: الرّئيس زروال أيقظ في نفوس الجزائريين قيم الشّهامة
فقدت الجزائر، السبت الماضي، الرّئيس الأسبق اليامين زروال، ليطوي برحيله مسيرة زاخرة بالتضحيات في سبيل الوطن، إذ يمثل هذا المصاب الجلل نقطة للتأمّل واستخلاص العبر من رجل وهب نفسه لخدمة البلاد، وقادها بحكمة للخروج من عنق الزجاجة خلال فترات التسعينيات العصيبة.
لقد استطاع الرئيس زروال بفضل إخلاصه، تنظيم أول انتخابات رئاسية تعدّدية أعادت الأمل للمواطنين، وأسّست لمرحلة جديدة من الاستقرار المؤسّساتي، لترتبط ذكراه اليوم بواقع جزائري يمضي إلى الأمام بخطوات ثابتة ومدروسة، مصداقا لمقولته التي أكّد فيها أنّ الجزائر ستتخطّى أزمتها وسيقف الجميع إجلالا لها، وهو ما يتحقّق اليوم على أرض الواقع بفضل إرادة أبنائها ووفائهم، الذي يضمن استمرار مسيرة البناء والتطور متجاوزين كل الصعاب والمحن، التي حاولت النيل من عزيمتهم.
وفي السّياق، أكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور بوحاتم مصطفى، في تصريح لـ»الشعب» أنّ الفقيد استطاع ببساطته وتواضعه، رغم تقلهده أعلى المناصب، أن يوقظ في نفوس الجزائريين قيما نبيلة، وعلى رأسها معاني الوفاء والنزاهة والتعفّف عن التمسّك بالسلطة، مفضّلا مصلحة الوطن على أي اعتبار شخصي، وأضاف أنّ مسيرته تذكّرنا دوما بحب الوطن والسعي الحثيث لحماية مؤسّسات الدولة مهما اشتدت الظروف وتكالبت الأزمات، لا سيما وأنّ التحديات التي عرفتها البلاد خلال فترة التسعينيات كانت استثنائية وخطيرة، وشكّلت تهديدا مباشرا لكيان الأمة، مبرزا أنّ التمسّك بكيان الدولة والحفاظ على مؤسّساتها كان طوق النجاة الوحيد، الذي حفظ تماسك المجتمع وأفشل مخطّطات التفكيك والتخريب الممنهج.
وأكّد بوحاتم أنّ الحاضر يثبت زيف العديد من الادعاءات والحملات الإعلامية، التي استهدفت البلاد على مرّ العقود الماضية، فلو قمنا بمراجعة تحليلية لما صدر طيلة ستة وثلاثين عاما وتحديدا منذ سنة 1990 إلى غاية اليوم، لوجدنا كمّا هائلا من التقارير المغرضة التي توقّعت مرارا وتكرارا انهيارات اقتصادية حتمية، وانفلاتات أمنية شاملة في الجزائر، وحالة من عدم الاستقرار السياسي الدائم، غير أنّ صمود الدولة والمجتمع، كذّب هذه التنبّؤات وأسقطها، لنتجاوز اليوم مجرّد إثبات كذب هذه التقارير إلى فهم أعمق لطبيعة التحديات المعاصرة التي تواجهنا، حيث أصبحنا نعيش في عالم تستخدم فيه المعلومة المضلّلة والإشاعة كرصاص موجّه لضرب استقرار الشعوب من الداخل والنيل من معنوياتها، ما يفرض علينا وعيا مجتمعيا متيقّظا يدرك أبعاد هذه الحرب النفسية والإعلامية، التي تستهدف إحباط العزائم وضرب الثقة بين المواطن ومؤسّساته.
تذكّرنا فاجعتنا في الرّئيس اليامين زروال، بأننا نعيش اليوم واقعا مغايرا ومطمئنا مقارنة بتلك السنوات الصعبة، واقعا نناقش فيه قضايا التنمية والنهوض بالاقتصاد الوطني أكثر من الملفات الأمنية المحض، ونتحاور حول تعديلات دستورية وقانونية ذات طابع سياسي وانتخابي لتطوير الأداء المؤسّساتي وترقية الممارسة، ففي الوقت الذي تنشغل فيه كثير من دول العالم بالهاجس الأمني وتداعيات الصراعات، تتحدّث الجزائر لغة الاقتصاد وتبحث سبل تحقيق النهوض التنموي المستدام، وهي فرصة سانحة ومهمة يجب استثمارها بالشكل الأمثل لتنويع مصادر الثروة وخلق القيمة المضافة، علما أنّ هذا التوجه الصريح نحو البناء الاقتصادي لا يعني قطعا إهمال الجانب الأمني بأي شكل من الأشكال، بل إنّ الأمن يبقى الأولوية القصوى والقاعدة الصلبة التي تبنى عليها باقي القطاعات التنموية، حيث يواصل الجيش الوطني الشعبي والمؤسّسة العسكرية القيام بواجبهم، كعين ساهرة لحماية الحدود وضمان السكينة العامة وصون استقرار البلاد.
وعطفا على مسيرة هذا الرجل الوطني والمحطات التي قاد فيها البلاد، يجب أن نعي جيدا أنّ الأوطان تبنى بالنزاهة والصدق والوفاء قبل الكفاءة وحدها، وأنّ القيم الأخلاقية في الممارسة السياسية هي الضامن الأساسي لاستمرارية بقاء الدول ونهضتها، لتبقى الدروس المستخلصة من الماضي بوصلة تُرشد الأجيال القادمة نحو مزيد من التلاحم والعمل الجاد لخدمة الصالح العام، والمضي قدما نحو مستقبل مزدهر.





