فتحت، أمس، إحدى الندوات العلمية المبرمجة في سياق أشغال الدورة الثامنة للندوة الجمعية الجزائرية لصناعة الغاز، النقاش حول موضوع دور البحث والتطوير والابتكار في قطاع النفط والغاز، حيث تم إبراز الخبرة التي حققتها المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها شركة سوناطراك، التي تمتد لأكثر من 60 سنة، في مختلف المهن المرتبطة بصناعة الطاقة في الجزائر.
أوضح المشاركون في الندوة أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من مجرد التحكم في التقنيات إلى تبني روح الإبداع والابتكار، من خلال تطوير المفاهيم الحالية، إضافة إلى إعادة صياغتها بما يتماشى مع خصوصيات صناعة الطاقة في الجزائر، والعمل على إنتاج تكنولوجيات محلية وطنية 100%.وفي هذا الشأن، اعتبر بن عمارة مصطفى، خبير في سوناطراك، أن «البحث والتطوير والابتكار اليوم يشكلون ركيزة أساسية في تنمية الدول، وليس فقط المؤسسات، لما لهم من دور مباشر في تحسين الحياة اليومية للمواطن والارتقاء بجودة الحياة، ما يسمح بتحقيق التحسن الشامل في مختلف المجالات».
ولتحقيق هذا الهدف، يتطلب الأمر، بحسب بن عمارة، «تفكيراً جماعياً لوضع أسس متينة تعزز البحث والتطوير، مع اعتماد مقاربات جديدة تختلف عن الأساليب التقليدية السابقة، سواء من حيث التفكير أو الآليات أو العمليات، كما يجب مواكبة تطور هذه السياقات بشكل مستمر».
وأبرز المتدخل أهمية الذكاء الاصطناعي في مواكبة التطورات المستمرة، وهو ما يثبت أن العملية ليست آنية أو ثابتة، بل هي مسار حي ومتجدد، يتطور باستمرار مع تغذية البيانات لتحسين النتائج تدريجياً.
وكشف بن عمارة، متحدثاً عن التجربة الوطنية في هذا المجال، أن الجزائر تمتلك رصيداً معتبراً من المكتسبات، حيث تم استثمار ما يقارب 200 مليون دولار لإنشاء خمسة مراكز بحث خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2020، إلى جانب إنشاء 21 مركز بحث ناشط حالياً. كما تتوفر البلاد على إمكانيات كبيرة في مجال البحث العلمي، خاصة في مجالات دقيقة ومتقدمة، إضافة إلى مخابر مجهزة في بعض الأحيان بأحدث التجهيزات التي تضاهي نظيراتها في الخارج، فضلاً عن وجود منصات متطورة للنمذجة الأولية.
وأشار الخبير إلى أنه، وبالرغم من توفر كل هذه الإمكانيات، يبقى التحدي الأهم هو تعزيز العمل المشترك، سواء داخل المؤسسات أو على المستوى الوطني أو بين الباحثين أنفسهم، من أجل تحقيق تكامل حقيقي وتحويل هذه القدرات إلى إنجازات ملموسة.
الظروف متوفرة والدعوة لاجتهاد أكثر
وفي شأن متصل، ركز المشاركون في الندوة على مدى توفر الجزائر اليوم على بيئة ملائمة للابتكار، من خلال وجود أطر قانونية وتنظيمية تشجع على الإبداع، إلى جانب أهمية المرافقة والدعم داخل المؤسسات، خاصة شركة سوناطراك.
وأشاروا أيضاً إلى أن الكفاءات الجزائرية معروفة عالمياً بقدرتها على الإبداع، ما يستدعي استغلال هذا الرصيد البشري بشكل أفضل، والعمل الجماعي لتحويل الأفكار إلى مشاريع ملموسة تساهم في تطوير الاقتصاد الوطني.
كما تم التطرق إلى دور معهد أبحاث الغاز، التابع لمنتدى الدول المصدرة للغاز (GECF)، في تعزيز البحث العلمي والتعاون الدولي في هذا المجال.
ورغم الجهود المبذولة، أكد المتدخلون أن الطريق لا يزال في بدايته، وأن تحقيق مستوى الدول المتقدمة يتطلب المزيد من العمل والاستثمار، خاصة في مجال السيادة التكنولوجية التي أصبحت عنصراً أساسياً في قوة الدول.
لذلك شدد المشاركون على أهمية توحيد الجهود بين الباحثين في الجامعات ومراكز البحث ونظرائهم في المؤسسات الاقتصادية، مع ضرورة تعزيز اهتمام الشركات بالبحث العلمي، من خلال الاستثمار في الباحثين وتوفير الظروف الملائمة لتنمية روح الابتكار وتحقيق نقلة نوعية في المجال.






