ثـورة الموارد غـير التقليديـة.. البحـر والآبار يقــودان قاطـرة الفلاحـة الجزائرية
الـذهب الأخضــر في تيميمـون والمنيعـة.. التكنولوجيـا تهــزم قسـوة المناخ
رفع إنتاج الميـاه المحـلاة إلى 3.7 ملايـين متر مكعــب يوميا وتغطية 42 % من الاحتياجات
قـدرات التخزين بلغت حاليـا 8.6 مليار مـتر مكعـب عـبر 81 ســدا
عزّزت الجزائر، في السنوات الأخيرة، جهودها من أجل ضمان أمنها المائي والغذائي، في ظلّ التحديات المناخية المتسارعة التي فرضت نفسها كواقع جديد، وقد تم تسطير، في هذا الإطار، استراتيجية متعدّدة الأبعاد، تقوم على تقليل التأثر بتقلّبات المناخ، من خلال الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وتطوير الموارد غير التقليدية، بما يضمن توفير الماء الشروب بشكل دائم، ودعم السقي الفلاحي باعتباره أساس تحقيق الأمن الغذائي، بدل اقتصار الجهود على المعالجة الظرفية لأزمة المياه.
أدركت الجزائر مبكّرا أنّ الاعتماد الكلي على المياه السطحية والجوفية لم يعد كافيا لمواجهة تراجع معدّلات التساقط المطرية، الذي تعاني منه منذ عقدين، ممّا أدى أحيانا إلى تراجع مخيف لمنسوب السدود، وعلى هذا الأساس تم التوجه نحو تعميم محطات تحلية مياه البحر كحل جذري ومستدام.
وتكشف المعطيات الرسمية عن طموح كبير، حيث عملت الجزائر على رفع إنتاجها من المياه المحلاة إلى 3.7 ملايين متر مكعب يوميا عام 2024، وهو ما سمح بتغطية نحو 42 بالمائة من احتياجات السكان المقدّر عددهم بـ 47 مليون نسمة.
هذا المسار تعزّز بتشغيل 5 محطات كبرى عام 2025، بهدف تأمين المدن الساحلية والداخلية الواقعة في نطاق 250 كيلومترا، ممّا خفّف الضغط بشكل كبير عن السدود الوطنية.
وفي خطوة استباقية لمواجهة الجفاف، سرّعت الجزائر إنجاز برنامج تحلية بقيمة مليار دولار في مناطقها الشمالية الغربية الأكثر عرضة لشحّ المياه، وذلك ضمن خطة استثمارية أعلن عنها سابقا بقيمة 5.4 مليار دولار، هذه المنشآت المزمع إنجازها في تلمسان ومستغانم والشلف ستضيف طاقة إنتاجية تقدّر بـ300 ألف متر مكعب يوميا، لتعزّز مكانة الجزائر كأكبر منتج لمياه التحلية في إفريقيا، وسيخفّف هذا الإنتاج الضغط عن المياه العذبة، ممّا يسمح بتوجيهها نحو قطاعات استراتيجية على غرار الفلاحة لضمان الأمن الغذائي الوطني.
تجدر الإشارة إلى أنّ الجزائر تمتلك حاليا 17 محطة تحلية كبرى عاملة، وتم إطلاق مشاريع 6 محطات جديدة عام 2025، بقدرة إنتاجية تبلغ 300 ألف متر مكعب يوميا لكل منها، بهدف تقليل الاعتماد على السدود والمياه الجوفية، وإعادة توجيه الفائض من مياه السدود لدعم المساحات المسقية الكبرى، ومنذ عام 2005، تمّ إنجاز 19 محطة تحلية بطاقة إجمالية تبلغ 3.5 مليون متر مكعب يوميا، وتستهدف الجزائر رفع حصة مياه الشرب المنتجة عبر التحلية إلى 60 بالمائة مع نهاية العقد الجاري.
السّقي الفلاحي.. عصب الأمن الغذائي
لا يمكن الحديث عن فلاحة مستدامة دون مورد مائي مستقرّ، وهو ما دفع السلطات العمومية إلى توجيه أكثر من 70 بالمائة من إجمالي الموارد المائية المعبأة سنويا نحو القطاع الفلاحي، وتعمل وزارة الرّي، بالتنسيق مع قطاع الفلاحة، على تعزيز قدرات التخزين التي بلغت حاليا 8.6 مليار متر مكعب عبر 81 سدّا، مع تطلّعات للوصول إلى 9 مليارات متر مكعب قريبا مع استلام السدود قيد الإنجاز.
هذه الجهود رافقها تطوير 18 نظام تحويل مائي كبير لنقل المياه من المناطق الأكثر وفرة إلى المناطق الأقل وفرة، لضمان توازن مائي وطني يحمي المحاصيل الاستراتيجية من الجفاف، كما تم إنجاز 604 منشأة تعبئة بين سدود صغيرة وحواجز مائية، وحفر 290 ألف بئر، ممّا يعكس الإرادة السياسية الكبيرة للسلطات العمومية في تأمين الخدمة العمومية للمياه والسقي الفلاحي.
وتمثل المناطق المستهدفة في الشمال الغربي، أقاليم هامة لإنتاج الفواكه والزيتون والحبوب الموجّهة للاستهلاك المحلي، ويشكّل القطاع الفلاحي نحو 15 بالمائة من اقتصاد الجزائر، الذي يقدّر بحوالي 285 مليار دولار، وتعمل السلطات العمومية تنفيذا لتعليمات وتوجيهات الرئيس تبون، على تنويع مصادر الدخل ودعم الفلاحة وفق المخطّط المعتمد، ويرتقب تحرير نحو 4 مليارات متر مكعب سنويا من المياه العذبة لفائدة الفلاحة بحلول عام 2030.
تثمـين الميـاه المصفـاة
في إطار مقاربة “تعبئة كل قطرة ماء”، تعمل وزارة الرّي على إعادة استعمال المياه المستعملة المصفاة كمورد غير تقليدي واعد، مع العلم أنّ الجزائر تمتلك اليوم 234 محطة معالجة بطاقة إجمالية تقدّر بـ 1.1 مليار متر مكعب، وقد تمّ تسطير مخطّط طموح لتعميم المعالجة الثلاثية، التي ستسمح بسقي كافة أنواع المحاصيل دون قيود صحية.
أمّا في الجنوب الكبير، وتحديدا في ولايات أدرار وتيميمون والمنيعة وورقلة، فقد تمّ تبسيط الإجراءات الإدارية لمنح أكثر من 15 ألف رخصة حفر آبار، لمرافقة الديناميكية الاقتصادية الكبيرة التي تشهدها تلك المناطق، ممّا يحول الصّحراء الجزائرية إلى قطب فلاحي عالمي بامتياز.
وتؤكّد السلطات أنّ الجزائر تمتلك إمكانات فلاحية غير مستغلة بشكل كاف، إذ من أصل 44 مليون هكتار صالحة للزراعة، لم يستغل سوى 8.6 ملايين هكتار، ممّا يبرز الحاجة إلى توسيع المساحات المسقية، وعلى هذا الأساس تعمل الوزارات المعنية على توسيع زراعة الحبوب، بما في ذلك في المناطق الصّحراوية الشاسعة، حيث بلغ محصول الموسم الماضي 4.1 ملايين طن من القمح.
مـن الهـدر إلى الاستخـدام الذكي
لم تغفل الاستراتيجية الوطنية جانب ترشيد الاستهلاك، حيث أصبح الانتقال إلى تقنيات الرّي الحديثة والسقي الذكي ضرورة حتمية لضمان استدامة الموارد، فالتحدي اليوم لا يقتصر على الحشد والتعبئة فحسب، بل يمتد إلى حسن استغلالها ورفع مردوديتها الاقتصادية.
وقد أثبتت التجربة أنّ اعتماد طرق السقي العصرية المقتصدة للمياه واستخدام المياه بذكاء، يؤدي مباشرة إلى توسيع المساحات المسقية وبالتالي زيادة الإنتاج وتقليص فاتورة الاستيراد، وفتح الآفاق لاقتصاد وطني متنوّع وقوي بعيد عن التبعية للمحروقات.




