تعميق استغلال المياه المالحة في الجنوب يخدم التّنمية
أكّد الدكتور مرزوقي تهامي أستاذ باحث في الموارد المائية والبيئة جامعة طاهري محمد – بشار، على ضرورة التعامل مع الماء كمورد استراتيجي، وخاصة المياه الجوفية العميقة، بنفس الجدية مع البترول من حيث الاستكشاف والتثمين، من خلال وضع دراسات استكشافية، برامج مراقبة، مخططات استغلال عقلانية، وربط وثيق بين البحث العلمي والقرار السياسي.
اعتبر الخبير في الموارد المائية والبيئة مرزوقي في تصريح لـ «الشعب»، أنّ توجيهات رئيس الجمهورية التي قدّمها خلال مجلس الوزراء الأخير، حول ضرورة استغلال المياه المالحة في المناطق الصحراوية، خطوة استراتيجية تعكس نظرة استشرافية عميقة لمستقبل الأمن المائي في الجزائر، في ظل الزيادة المتسارعة لعدد السكان وارتفاع الطلب على هذه المادة الحيوية لأغراض الشرب والفلاحة والصناعة.
في هذا الإطار، لفت الخبير مرزوقي إلى أنّ المياه المالحة في الجنوب ظلت لعقود طويلة موردا ثانويا، رغم تواجدها في خزانات جوفية ضخمة وبمعدلات تدفق معتبرة، ويرى أن التوجه الحالي نحو تثمين هذه الموارد عبر تقنيات التحلية يعبر عن نقلة نوعية في تصور الدولة لمنظومة الموارد المائية، خصوصا في ولايات الجنوب وعلى رأسها تمنغست وتندوف وبشار.
وأفاد المتحدّث أنّه انطلاقا قام بإعداد خريطة تفصيلية للكتل المائية الجوفية المالحة، خاصة في منطقتي بشار وتندوف، مبرِزا الإمكانات الهائلة لهذه الخزانات من حيث الكميات المتوفرة وكثافة التدفق، وقد سمح هذا العمل العلمي بتأكيد أن هذه الموارد يمكن أن تشكل دعامة حقيقية للتنمية في الجنوب، إذا ما رافقتها تقنيات حديثة في التحلية والتسيير.
ويعتقد مرزوقي أن الجهود العلمية الميدانية، تنسجم مع الرؤية الوطنية التي أعلن عنها رئيس الجمهورية، والقائمة على تثمين المياه المالحة في تزويد الساكنة، خاصة في ولايات الجنوب الكبير مثل تمنغست وتندوف، مؤكّدا أن هذه الرؤية لا تلبي فقط حاجات الحاضر، بل تؤسّس لأمن مائي مستدام للأجيال القادمة، عبر تنويع مصادر التزويد وتقليل الضغط على الموارد التقليدية المحدودة.
غير أنّ الخطوة المقبلة التي نراها ضرورية – يقول محدثنا – تتمثل في تعميق المعرفة العلمية بالقدرات المائية الجوفية، وخاصة في الكتل المائية العميقة بالجنوب الغربي، ويتطلب هذا برامج استكشاف منهجية لتحديد امتداد هذه الخزانات، وتقييمها كميا ونوعيا، بهدف ضمان استغلال أمثل ومتوازن لهذه الموارد في صحرائنا الشاسعة.
وذكر مرزوقي بالتقديرات الحالية التي تشير إلى أنه لم يستغل سوى جزء محدود من الإمكانات المتاحة، حوالي 15 بالمائة فقط من القدرات المائية الجوفية الممكن تعبئتها في الجنوب، مشيرا إلى أنّ هذا المعطى، يؤكّد أنّ هامش العمل والتطوير ما يزال واسعا، وأن الاستثمار في المعرفة (الخرائط الهيدروجيولوجية، النمذجة الرقمية، مراقبة نوعية المياه) هو المفتاح لأي سياسة ناجحة في هذا المجال.
وبالنسبة للمتحدّث، فإنّ تثمين المياه الجوفية ذات النوعية الجيدة أو المالحة يتطلب مرحلة أخرى أساسية، تتمثل في تعميق المعرفة بالقدرات المائية الجوفية في الجنوب، خاصة في الجنوب الغربي، عبر برامج استكشاف وتقييم كمي ونوعي للخزانات.
ويؤكّد مرزوقي على ضرورة تغيير السلوك، والذي لا يكون إلا من خلال إدراك الأفراد والمؤسسات، أن الماء مورد استراتيجي نادِر وثمين، حينها سيحدث التغيير المنشود في الاستهلاك والتسيير، سواء في الاستعمال المنزلي أو الصناعي أو الفلاحي، مشيرا إلى أن ترشيد استعمال الماء، حماية نوعيته والحد من التبذير، لا يقل أهمية عن مشاريع السدود والمحطات الكبرى، بل يكملها ويضمن استدامة مردوديتها.
ويخلص مرزوقي إلى أن الرؤية التي حملها تصريح رئيس الجمهورية بشأن استغلال المياه المالحة في الجنوب هي فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في سياسات الماء في الجزائر، تقوم على العلم، والاستشراف، والعدالة المجالية بين الشمال والجنوب، ويبقى دور الباحثين والخبراء هو مرافقة هذه الرؤية بالمعرفة والخبرة، حتى ننتقل من الإمكانات النظرية إلى الإنجازات الميدانية، ومن الحلول الظرفية إلى أمن مائي حقيقي ومستدام للبلد والأجيال القادمة.





