احتضن المسرح الوطني الجزائري محيي الدين بشطارزي ندوة فكرية مزدوجة، ضمن فعاليات إحياء مائوية المسرح الجزائري، تكريما لمسار رائد من رواد التأسيس، الفنان علي سلالي المدعو “علالو”، واستحضارا لقرن كامل من التجربة المسرحية التي صنعت الوعي، ورافقت التحوّلات، وظلت وفية لنبض المجتمع.
جاءت هذه الندوة في سياق احتفالي عميق المعنى، يستعيد البدايات الأولى لمسرحية “جحا” التي قدمت سنة 1926، باعتبارها لحظة ميلاد فعلية لمسرح جزائري الهوية والانتماء، مسرح استطاع أن يخرج من عباءة التقليد إلى أفق الابتكار، ومن النص النخبوي إلى التعبير الشعبي الحي.
لحظة التأسيس وعبقرية الانبثاق
في المحور الأول، المعنون بـ«مسرح علالو بين ريادة التأسيس ومسارات التلقي: من النص والركح إلى التوثيق والمرجعيات”، استحضرت تجربة علالو بوصفها لحظة تأسيسية فارقة في تاريخ المسرح الجزائري. وقد قدم الباحث أحسن ثليلاني مداخلة وسمها بـ«ريادة علالو في النص والركح”، استهلها بالتأكيد على رمزية اللحظة التاريخية التي يعيشها المسرح الجزائري اليوم، معتبرا أن مرور قرن كامل على نشأته يمثل محطة مضيئة في مسار ثقافي حافل بالعطاء.
وأشار ثليلاني إلى أن المسرح الجزائري اضطلع بدور وطني محوري، حيث دافع عن القضية الوطنية، وكان صوتا للشعب، مستحضرا إسهامات الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني، ومكانة المسرح كأول مؤسسة تم تأميمها بعد الاستقلال، في دلالة على أهميته في تشكيل الوعي الجمعي.
وفي قراءته لتجربة علالو، وصفه ثليلاني بـ«العبقري” الذي نجح في استنبات فن المسرح داخل التربة الجزائرية، رغم كونه فنا أوروبيا غريبا عن السياق المحلي آنذاك”، فقد استطاع، بذكائه الفني – يقول ثليلاني – أن يمزج بين التراث الشعبي واللغة الدارجة، مقدما عرض “جحا” أمام جمهور واسع قُدّر بـ1500 متفرج، في تجربة لاقت صدى كبيرا حتى في الصحافة الفرنسية.
وتميز مسرح علالو – كما أبرز المتدخل – بكونه مسرحا شعبيا نابضا بالحياة، اعتمد على الارتجال والكوميديا، وتناول قضايا الحياة اليومية بلغة يفهمها الجمهور، خلافا للمسرح الكلاسيكي الذي سبقه، والذي ظل حبيس اللغة الفصحى والمواضيع التاريخية، ما جعله بعيداً عن التفاعل الجماهيري.
من جهتها، ركزت الباحثة رقية موسود في مداخلتها على “توظيف التراث الشعبي المحكي في مسرح علالو”، معتبرة أن الاحتفاء بمائوية المسرح الجزائري هو في جوهره إعادة إحياء لذاكرة ثقافية جماعية، واستعادة لمرجعيات شكلت الهوية الفنية الوطنية.
وأوضحت المتدخلة، أن علالو استطاع أن ينقل التراث من حالته الشفوية إلى فضاء الركح، عبر تحويله إلى مادة دراماتورجية تستجيب لشروط العرض المسرحي، مما منح المسرح الجزائري شرعيته التاريخية، وجعله فنا متجذرا في البيئة المحلية.
كما شددت موسود، على أن هذا التوجه لم يكن مجرد خيار فني، بل كان فعلا مقاوما في وجه الاستعمار، الذي سعى إلى طمس الهوية الجزائرية، مؤكدة أن علالو أسّس لمسرح يحمل أبعاداً ثقافية ووطنية عميقة.
المرجع الشعبي والتأثير الغربي
أما الباحث حبيب بوخليفة، فقد تناول في مداخلته إشكالية العلاقة بين المرجعية الشعبية والنسق الجمالي الغربي في تجربة علالو، مثيرا مسألة غياب النصوص الأصلية، والتي تعيق اليوم تقديم قراءة شاملة لأعماله.
ورأى، أن تجربة علالو تندرج ضمن مسار بحث دائم عن الهوية المسرحية الجزائرية، حيث استطاع أن يوازن بين التأثيرات الغربية والخصوصية المحلية، معتمدا على الكوميديا والارتجال كوسيلتين للتواصل مع الجمهور.
وفي السياق ذاته، كشف الباحث ولد لعروسي عن وجود مخطوطات وأعمال فرنسية تناولت المسرح الشعبي الجزائري، داعيا إلى ترجمتها لفهم نظرة “الآخر” إلى هذا التراث.
وفي مداخلة بعنوان “ترجمة مذكرات علالو: تحديات اللغة وتوثيق الذاكرة”، أشار أحمد منور إلى أن مسرحية “جحا” شكّلت نقطة تحول في تاريخ المسرح الجزائري، رغم وجود تجارب سابقة، مثل نشاط جمعية “المهذبة” وأعمال محمد المنسالي، إضافة إلى عروض جورج أبيض.
وأوضح أن نجاح “جحا” يعود إلى طابعها الكوميدي وتوقيتها المناسب، حيث عُرضت في سياق احتفالي، ما ساهم في جذب الجمهور وكسر هيمنة المآسي والميلودراما.
تمثلات اجتماعية ورهانات جمالية
وفي المحور الثاني، الموسوم بـ«تمثلات مسرح علالو: قراءات نقدية في الجماليات والرهانات الاجتماعية والسياسية”، تم التطرق إلى الأبعاد السوسيولوجية والرمزية لهذه التجربة.
وقدمت الدكتورة جميلة زقاي قراءة حول صورة المرأة في مسرح علالو، معتبرة أن حضورها كان رمزيا رغم غيابها الجسدي، نتيجة لاعتبارات سوسيولوجية وثقافية، حيث لم يكن ولوج المرأة إلى الركح أمرا يسيرا في تلك المرحلة.
وأشارت زقاي، إلى أن هذا الغياب لا يلغي حضور المرأة كقضية، إذ تناولت نصوص علالو قضايا اجتماعية تمسها، مثل السلطة الأبوية والفوارق العمرية، كما في مسرحية “زواج بوعقلين”، التي عالجت هذه الإشكالات بأسلوب ساخر.
من جانبه، أبرز إدريس كركوعة أثر الخلفية الاجتماعية لعلالو في تشكيل تجربته المسرحية، حيث اشتغل في مهن بسيطة قربته من هموم الناس، ما انعكس في أعماله التي جسدت الواقع الاجتماعي بصدق.
واعتبر أن “”جحا” لم تكن مجرد عرض مسرحي، بل فعل مقاومة ثقافية، أعاد الاعتزاز بالهوية الجزائرية، وفتح نافذة للأمل في زمن الاستعمار.
مائوية تعيد طرح الأسئلة
أجمع الأساتذة المحاضرون على أن هذه التظاهرة لم تكن مجرد وقفة احتفالية، بل شكلت لحظة تأمل عميق في مسار المسرح الجزائري، وإعادة طرح للأسئلة الكبرى المرتبطة بالهوية، والتأصيل والتجديد.. مؤكدين أن مئوية علالو أعادت الى الواجهة تجربة فنية رائدة، ما تزال تلهم الأجيال، وتؤكد أن المسرح، في جوهره، ليس مجرد فن، بل فعل حياة ومرآة مجتمع، ومنبر حرية لا يخفت صوته.




