الدفـع الإلكترونـي أداة استراتيجيــة لتقليــص السوق الموازيــة
التكنولوجيا أتاحـت فرصــا غـير مسبوقـة للمؤسسـات الناشئـة
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد القادر لحول، أن الرقمنة مفتاح سيحوّل السياحة من نشاط فصلي مؤقت إلى صناعة حقيقية ومستدامة، مؤكدا أن التخلص من التبعية للنفط يمرّ حتما عبر رقمنة «السلسلة السياحية» كاملة، أي ربط النقل، والحرف التقليدية، والمواقع التاريخية بنظام دفع وتسيير إلكتروني واحد، وهذه الخطوة كفيلة -بحسبه- برفع مساهمة السياحة في الاقتصاد الوطني إلى أكثر من 5 بالمائة، لتصبح بذلك موردا أساسيا لخلق الثروة وتوفير مناصب الشغل.
وقال الدكتور لحول في تصريح لـ»الشعب»، إن الأثر الاقتصادي الأبرز لاعتماد التجارة الإلكترونية، يظهر في تسويق الخدمات السياحية من خلال تغيير جذري في «هيكلة التكاليف»، فتاريخيا، كانت الوكالات الدولية الكبرى تسيطر على تدفقات السياح، وتقتطع عمولات ضخمة تتراوح ما بين 20 بالمائة إلى 30 بالمائة، في حين ستمكن الرقمنة اليوم، من كسر هذا الاحتكار عبر استراتيجية «الوصول المباشر» (D2C)، حيث يتمكن السائح من الحجز مباشرة عبر منصات جزائرية، وهذا التحوّل لا يساهم فقط في خفض تكاليف الوساطة، بل يضمن بقاء الكتلة النقدية داخل الدورة الاقتصادية الوطنية، ويعزز احتياطي الصرف من العملة الصعبة عبر قنوات رسمية تخضع لرقابة وشفافية تدفقات الدولة.
وأوضح محدّثنا أن المنافسة في سوق عالمية يزداد تعقيدا، لم تعد مرتبطة بجمال الشواطئ أو عراقة الآثار فقط، بل بمدى سهولة الوصول إليها رقميا، مشيرا إلى أن تحسين الصورة الذهنية للوجهة الجزائرية، يتطلب محتوى رقميا احترافيا يعتمد على الواقع الافتراضي والمعايير الدولية، وقال: «لا يمكن تصنيف المؤسسات الفندقية والوجهات المحلية ضمن الفئات التنافسية إقليميا ودوليا دون وجود أنظمة إدارة ذكية، لأن السائح المعاصر يبحث عن نقرة زر تمكنه من استكشاف العروض والمقارنة بين الأسعار، والرقمنة هي اللّغة الوحيدة التي يفهمها هذا المستهلك العالمي».
وتنعكس الرقمنة بشكل مباشر – بحسب محدثنا – على الأداء المالي للمؤسسات السياحية عبر محورين أساسيين، أولهما أتمتة العمليات عبر استخدام تطبيقات ذكية لتقليل الخطأ البشري وزيادة سرعة معالجة الطلبات، مما يرفع من جودة الخدمة المدركة، وثانيها إدارة العوائد والموارد من خلال اعتماد خوارزميات التسعير الديناميكي لرفع المردودية، واستخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة استهلاك الطاقة والموارد داخل المنشآت، مشيرا أن هذا التوجه لا يقلل التكاليف التشغيلية فحسب، بل يكرس مفهوم السياحة المستدامة التي تحافظ على البيئة الوطنية للأجيال القادمة.
وأكد الدكتور لحول أن المنصات الرقمية فتحت آفاقا غير مسبوقة أمام الاستثمار الخاص، خاصة للشباب والمؤسسات الناشئة، حيث ساهمت هذه التكنولوجيا في خفض حواجز الدخول للسوق؛ إذ أصبح بإمكان المبتكرين الولوج لسوق السياحة عبر منصات الحجز التشاركي والتطبيقات المتخصصة دون الحاجة لاستثمارات عقارية ضخمة في البداية، علاوة على ذلك، تضمن هذه المنصات شفافية البيانات، مما يوفر للمستثمر قاعدة بيانات دقيقة حول سلوك المستهلك وتفضيلاته، الأمر الذي يقلل من مخاطر الاستثمار ويزيد من جاذبية القطاع لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
وأشار المختص الاقتصادي إلى أن أهمية الدفع الإلكتروني بالغة جدا في دعم النشاط السياحي وتسهيل المعاملات المالية للسياح، من منطلق أن الدفع الالكتروني يعتبر أداة تعزز الأمان في تسوية المعاملات واقتناء الخدمات السياحية وكذا أداة للضبط أو التقنين تعتمد عليها السلطات من أجل الرقابة المالية والتحصيل الجبائي، كما يسهل التدفقات المالية ويجنبنا نمو السوق الموازية للصرف والتي تسعى الدولة جاهدة إلى تقليص حجمه وانتشاره، كما يساهم الدفع الإلكتروني في رفع الثقة لدى السائح الأجنبي الذي يفضل التعاملات غير النقدية لأسباب أمنية ولوجستية.
واستعرض المتحدث المؤشرات الايجابية التي سجلتها الجزائر في هذا المجال خلال الفترة بين 2024 و2025، حيث تجاوز عدد البطاقات البنكية والذهبية 16 مليون بطاقة، وشهدت منصات الحجز المحلية نمو بنسبة 40 بالمائة في عدد المؤسسات الناشئة السياحية، لافتا أن هذه الأرقام هي الثمار الأولى لمشروع البوابة الوطنية للسياحة التي تهدف لتوحيد العرض السياحي الجزائري رقميا.







