في قسنطينة.. لا يقاس الزمن بالتقويم فقط، بل بما تختزنه الذاكرة من صور وطقوس وعادات تتناقلها الأجيال، ومع حلول شهر التراث، الممتد من 18 أفريل إلى 18 ماي، تعود المدينة لتفتح دفاترها القديمة، وتستحضر ملامح هويتها في مشهد ثقافي نابض بالحياة، يؤكد أن التراث ليس ماضياً يُروى، بل حاضر يُعاش.
كان الافتتاح الرسمي لهذه التظاهرة من قصر الحاج أحمد باي، في دلالة رمزية تعكس مكانة هذا المعلم التاريخي في الوجدان القسنطيني، حيث احتضن فعالية إحياء عادة تقطير الورد والزهر، أو ما يعرف محلياً بـ «تقطير الزهر».
عودة قوية لطقوس الذاكرة
التظاهرة التي نظمها المتحف العمومي الوطني للفنون والتعابير الثقافية التقليدية بالتنسيق مع جمعية زهرة المدائن، عرفت مشاركة قوية للحرفيين، الذين قدموا عروضا حية لعملية التقطير باستعمال أدوات نحاسية تقليدية، في مشهد استحضر تفاصيل الحياة اليومية القسنطينية خلال فصل الربيع.
ولم يكن الحدث مجرّد عرض تقني، بل تحوّل إلى فضاء احتفالي أعقب عملية تقطير ماء الورد والزهر، وهي عادة قديمة قدم المدينة، حيث تجتمع العائلات في أجواء مميزة لتقاسم هذه اللحظات المرتبطة بالذاكرة الجماعية.
في تصريح لـ»الشعب»، أكدت مديرة قصر أحمد باي، مريم قبايلية، أن «اختيار القصر لاحتضان الافتتاح الرسمي لشهر التراث يحمل دلالة رمزية قوية، ويترجم حرصنا على ربط الفعل الثقافي بالفضاءات التاريخية الحية»، مضيفة أن «الإقبال اللافت للحرفيين والمواطنين يعكس وعيا متزايدا بأهمية صون التراث اللامادي وإحيائه في شكله الأصيل».
منصـــــــات الذاكــــــرة
ومنذ انطلاق التظاهرة، عرفت مختلف الفضاءات الثقافية حركية لافتة، على غرار دار الثقافة مالك حداد، التي تحوّلت إلى قلب نابض لفعاليات هذا الموعد السنوي، حيث احتضنت معارض وورشات وعروضاً حية أعادت الاعتبار لمكونات التراث المحلي، المادي منه واللامادي.
الأروقة امتلأت بألوان الألبسة التقليدية، ونقوش الصناعات الحرفية، فيما كانت الأيادي التي صنعتها تحكي قصصاً عن زمن لم ينقطع، وظلّ ممتد في تفاصيل الحياة اليومية، هنا، لا تعرض القطع للفرجة فقط، بل تقدّم كوثائق حية لثقافة مجتمع حافظ على خصوصيته رغم التحولات.
المــــرأة.. حارســــة الموروث
في قلب هذه الديناميكية، برزت المرأة القسنطينية كفاعل أساسي في نقل التراث وإحيائه، فقد شكل صالون المواهب النسائية لحظة قوية في البرنامج، حيث اجتمعت حرفيات وفنانات وأديبات قدمن نماذج من الإبداع المرتبط بالهوية المحلية.
ولم يكن الحضور النسوي مجرد مشاركة رمزية، بل تجلّى كقوة حقيقية تحافظ على استمرارية الموروث، سواء من خلال الحرف التقليدية أو الفنون التشكيلية أو حتى الطقوس الاجتماعية، فالمرأة هنا لا تنقل التراث فحسب، بل تعيد تشكيله وتمنحه نفساً جديداً يتماشى مع روح العصر.
تقطير الورد والزهر.. طقس الذاكرة
ومن بين أبرز ما يميز شهر التراث بقسنطينة، عودة العادات المرتبطة بفصل الربيع، وعلى رأسها تقطير الورد والزهر أو «تقطير الزهر»، وهي عادة ضاربة في عمق الذاكرة القسنطينية.
وفي حديقة دار الإبداع المطلة على جسر سيدي سليمان، كما في باحات قصر أحمد باي، تجدد هذا الطقس في مشهد حي جمع بين الحرفية والدلالة الرمزية، تبدأ العملية بجمع زهر النارنج أو الورد في ساعات الصباح الأولى، قبل أن يوضع في أوانٍ تقليدية خاصة بعملية التقطير، حيث يُحوّل إلى ماء زهر يُستعمل في الطهي والحلويات والعطور، وحتى في الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالأفراح والمناسبات.
هذا الطقس الذي يبدو بسيطاً في ظاهره، يحمل في عمقه معاني التشارك العائلي والتوارث النسوي للمعرفة، حيث تجتمع النساء في أجواء حميمية يتقاسمن فيها الخبرات والحكايات، كما يعكس ارتباط الإنسان القسنطيني بمحيطه الطبيعي.
التراث رافـــد للتنميـــــة
ما يميّز شهر التراث في قسنطينة، أنه لم يعد يقتصر على الاحتفاء الرمزي، بل أصبح توجهاً نحو تثمين هذا الموروث وتحويله إلى رافد للتنمية. فالمعارض والورشات والعروض الحية تفتح آفاقاً أمام الحرفيين والمبدعين، وتمنح التراث بعداً اقتصادياً وسياحياً متجدداً.
في هذا السياق، تبدو المدينة وكأنها تعيد تقديم نفسها، ليس فقط كحاضنة لتاريخ عريق، بل كوجهة ثقافية قادرة على استقطاب الزوار، بما تملكه من خصوصية عمرانية وتراث غني يتجسد في كل زاوية من زواياها.



