روبعــــــــي: البلـــــــــدان يتمتلكـــــــان مؤهلات بناء محور اقتصـــــادي قـــوي
حمدان: العلاقات الجزائرية-التركية تأسســــــــت علــــــى الثقـــــــة المطلقــــــــة
بناء شراكات دوليــــة فعالـــة تقـــوم على مبدأ المنفعة المتبادلة والمثمرة
أظهرت الزّيارة الرّسمية التي قادت رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى تركيا، ولقائه نظيره السيد رجب طيب أردوغان، تطورا كبيرا في العلاقات الثنائية بين البلدين، ودفعا لافتا للتعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين الشقيقين في مختلف المجالات والميادين.
أجمع خبراء على أنّ زيارة رئيس الجمهورية إلى أنقرة، عكست بوضوح توجه الجزائر نحو تنويع شراكاتها الاقتصادية والانفتاح على التّجارب الناجحة، في حين يشكل ترؤس الرئيسين الجزائري والتركي لأشغال «الدورة الأولى لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى»، انتقالا جوهريا نحو تأطير السياسات المشتركة ضمن آليات مؤسساتية دائمة ومستقرة.
وفي هذا الصّدد، يؤكّد رئيس المنظمة الجزائرية للتنمية الاقتصادية، نصر الدين منير روبعي، أنّ زيارة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى تركيا اتّسمت بأهمية استراتيجية كبرى، باعتبارها مثّلت خطوة جديدة نحو تعزيز مكانة الجزائر الاقتصادية، وبناء شراكات دولية فعالة تقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة والمثمرة.
وأبرز روبعي في تصريح خصّ به «الشعب»، أنّ هذه الزّيارة حملت أبعادا اقتصادية وجيوسياسية بالغة الأهمية، خاصة وأن تركيا تُعد اليوم من أبرز القوى الصناعية والاستثمارية الصاعدة في العالم، وتمتلك تجربة ناجحة في تطوير الصناعات التحويلية والميكانيكية، وتحديث المؤسسات المنتجة، ورفع حجم الصادرات إلى الخارج، وأوضح أنّ الجزائر، في إطار رؤيتها الاقتصادية الجديدة، تتّجه نحو بناء اقتصاد منتج ومتنوع قائم على القيمة المضافة والتصدير، وهو ما يجعل من الشراكة الجزائرية التركية نموذجا حقيقيا للتعاون الاقتصادي المثمر، خصوصا في قطاعات الحديد والصلب، النسيج، الفلاحة، الصناعات التحويلية والميكانيكية، السياحة، الطاقات المتجددة، البناء والصناعات الغذائية.
ومنحت هذه الزيارة الهامة، في ضوء الاتفاقيات النوعية المبرمة بين البلدين الصديقين، دفعا قويا للاستثمارات التركية في الجزائر، خاصة بعد التّحسينات الكبيرة التي عرفها مناخ الأعمال والاستثمار في البلاد، والإصلاحات التي باشرتها الدولة الجزائرية لتشجيع الاستثمارات، وحماية المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين، بحسب قوله.
بنـــــاء محـــور قــــــــوي
ومن الجانب الاستراتيجي، قال روبعي إنّ الجزائر وتركيا تمتلكان مؤهّلات ضخمة لبناء محور وتحالف اقتصادي قوي ووثيق يربط إفريقيا بالمتوسط، خاصة في ظل الموقع الجغرافي المتميز لكلا البلدين، والإمكانات اللوجستية والبشرية المتوفرة لديهما، وأشار إلى أنّ هذه الزيارة أعطت دفعا للانتقال من العلاقات التجارية التقليدية إلى شراكات إنتاج مثمر حقيقية خارج قطاع المحروقات، تقوم على نقل التكنولوجيا، التصنيع المحلي، وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وترقية البحث العلمي، بما يسهم في خلق الثروة، ومناصب الشغل، وتحقيق الأمن الاقتصادي المستدام.
وتابع: «نؤكّد أنّ تعزيز التعاون بين مجالس الأعمال والمنظمات الاقتصادية في البلدين، سيكون له دور محوري في مرافقة هذه الديناميكية الجديدة، وتحويل الاتفاقيات السياسية والاقتصادية المبرمة، إلى مشاريع استثمارية فعلية على أرض الواقع».
ومن جهته، كشف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة محمد خيضر بولاية بسكرة، الدكتور محمد الطيب حمدان، أنّ زيارة الرئيس تبون إلى تركيا، جاءت في سياق جيوسياسي دقيق، في ظل ما تشهده العلاقات الدولية المعاصرة من تحولات بنيوية عميقة تفرض على الدول المحورية إعادة هندسة تحالفاتها الاستراتيجية من أجل ضمان أمنها القومي، وتفوّقها الاقتصادي في بيئة عالمية تتّسم بالاستقطاب الحاد واللاّيقين والشك.
وفي تصريح لـ «الشعب»، أوضح حمدان أنّ القراءة المتأنية في مخرجات الزيارة من اتفاقيات وتفاهمات، تكشف عن دلالات دبلوماسية بالغة الأهمية تجمع الجزائر وتركيا، وعلاقات أخوّة وتعاون متجذّرة، وأضاف أن انعقاد مجلس التعاون الإسترايتجي رفيع المستوى «مناصفة» بين الزّعيمين، يعكس ندية كاملة في صياغة القرار بين الجمهوريتين، ويؤكّد أنّ العلاقات قد تجاوزت الأطر البروتوكولية الكلاسيكية لتصل إلى مستوى الشّراكة الاستراتيجية المتكافئة.
وبما أنّ هذه الزّيارة الثالثة للرّئيس الجزائري إلى تركيا منذ توليه مقاليد الحكم نهاية عام 2019، أبرز حمدان أنّ هذا الأمر دليل إرادة سياسية عليا ومستدامة لدى القيادتين، لترسيخ الروابط الثنائية في مختلف القطاعات، وتفعيل التشاور المستمر بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وأردف: «لا يمكن قراءة هذه الزّيارة بمعزل عن الانفتاح والمرونة الاستراتيجية التي تنتهجها الجزائر لتنويع شركائها الدوليين، والتحرر التدريجي من التبعية التقليدية للمحور الأوروبي. كما أنّ النشاط والحركية الدبلوماسية تسمح للجزائر ببناء علاقات متميزة مع قوى أوراسية صاعدة مثل تركيا، إلى جانب دول أخرى، بناء على الندية والاحترام المتبادل ومبدأ المصالح المتكافئة».
مأسسة استراتيجية للتّحالف الثّنائي
يرى حمدان أنّ التحالفات الاستراتيجية الموثوقة لا تبنى من فراغ، بل تستند إلى رصيد تاريخي ومسار طويل من التفاعلات المشتركة، والعلاقات الجزائرية التركية تمتلك كل هذه المقوّمات، وترتكز على إرث حضاري عميق يمتد لأكثر من 316 سنة، وهو معطى ديموغرافي وتاريخي يتم استدعاؤه بشكل دائم في الخطاب الدبلوماسي لتعزيز الروابط الوجدانية والسياسية بين الدولتين والشعبين الشقيقين، حيث تتشارك الدولتان الشقيقتان في العديد من السمات السوسيولوجية والثقافية.
وقد تمّت ترجمة هذا الرصيد التاريخي في العصر الحديث بين الجزائر وتركيا، بحسب محدّثنا، إلى إطار قانوني صلب، من خلال معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين البلدين في عام 2006، التي شكّلت حجر الزاوية للانطلاقة المعاصرة للعلاقات.
ومنذ أواخر عام 2019، شهدت هذه العلاقات حركية متسارعة وديناميكية غير مسبوقة، تميّزت بسلسلة من الزيارات الرئاسية المتبادلة، وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أوّل رئيس دولة يزور الجزائر في فيفري 2020، بعد الانتخابات الرئاسية، تلتها زيارة ثانية في نوفمبر 2023، بينما قام رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، بزيارته الأولى لتركيا في ماي 2022، مرورا بزيارة ثانية سنة 2023، وصولا إلى الزيارة الحالية في ماي 2026. وهذا التواتر العالي في اللقاءات على مستوى القمة خلق حالة من الثقة المطلقة التي تفتقر إليها العلاقات الدولية المعاصرة.
وبخصوص ترؤّس الرئيسين الجزائري والتركي لأشغال «الدورة الأولى لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى»، اعتبره الأستاذ محمد الطيب انتقالا جوهريا نحو تأطير السياسات المشتركة ضمن آليات مؤسساتية دائمة ومستقرة.
وعمل هذا المجلس على إجراء تقييم شامل للعلاقات الثنائية من جميع جوانبها السياسية والاقتصادية والدفاعية، ومناقشة حزمة الخطوات الرامية إلى تجسيد مشاريع الشراكة، وتوسيع القاعدة التعاقدية والاستثمارية للبلدين عبر توقيع اتفاقيات سيادية كبرى.
ويتمثّل الانعكاس الاستراتيجي لهذا المجلس في قدرته على عزل مسار العلاقات الثنائية عن أي ارتدادات سلبية قد تفرضها الأزمات الدولية الطارئة، وتحويل التوافقات الرئاسية إلى خطط عمل إدارية ملزمة لحكومتي البلدين، وضمان توحيد الرؤى وتبادل الخبرات بصورة منهجية، ممّا يعزّز من قدرة الطرفين على ممارسة تأثير جيوسياسي وازن وموحّد في محيطهما المباشر، وفقا له.
الانتقال من الخطاب السياسي إلى الشراكة الفعلية يعدّ محرّكا اقتصاديا مهمّا، كما أنّ مخرجات الزيارة والبيانات المرافقة لها تشير إلى أن الجزائر قد أصبحت الشريك الاقتصادي والاستثماري الأول لتركيا في إفريقيا، في حين تمثّل أنقرة أحد أبرز المستثمرين الأجانب خارج قطاع المحروقات في الجزائر، وهو ما توضّحه القراءات التحليلية للمؤشرات الماكرو-اقتصادية، يقول حمدان.

