جائــــــــزة “مــــــالك بــــن نبـــــــــي” مسؤوليــــــة تقتضــــــــي الصــــــبر والإيمـــــــان برسالـــــــة البحــــــث
“الاستمراريــــــــــة” فــــــــــــــي البحــــــــــــــــــث شـــــــــرط أساســــــــــي لنيـــــــــل الاعـــــــــتراف العلمـــــــــــي
“موسوعة تــــراث الحركـــة الإصلاحيـــة” تتبـــع جـــذور النهضـــــة مـــن منتصــــف القــــرن الـ19
تجربتــــــــــــي في فرنســـــــا أثمـــــرت 5 كتــــــب في الدراســــــات “الاستشراقيــــــة والاستغرابيـــــــة”
بين عمق التراث الإصلاحي الجزائري وآفاق الفكر الإنساني المعاصر، يبرز اسم الدكتور مولود عويمر كواحد من أبرز المشتغلين بجدية في حقل الدراسات التاريخية والفكرية، وهو الذي جعل من الحفر في ذاكرة الأمة ومشروع نهضتها رسالة معرفية تتسم بالاستمرارية والعمق.. اليوم.. نحتفي بالدكتور عويمر متوّجا بـ«جائزة مالك بن نبي للتميز العلمي والفكري”، وهو تكريم يعيد الاعتبار لشرط “الاستمرارية” في دراسة فكر بن نبي.. في هذا الحوار الخاص بجريدة “الشعب”، نفتح مع الدكتور مولود عويمر ملفات الذاكرة والنهضة، ونستكشف معه آفاق البحث العلمي بالجزائر.. إليكموه..
^ ”الشعب”: بداية، نبارك لكم نيل “جائزة مالك بن نبي للتميز العلمي والفكري”، ماذا تمثل لكم هذه الجائزة شخصيا ومعرفيا، خاصة وأنها تحمل اسم أحد أبرز رواد الفكر الحضاري في الجزائر؟
^^ الدكتور مولود عويمر: أولا، أود أن أعبر عن امتناني وتقديري لمن منحني هذه الجائزة التي تحمل أهمية كبيرة بالنسبة لي، ليس فقط على الصعيد الشخصي، ولكن أيضا على الصعيد المعرفي، نظرا لأنها تحمل اسم علم من أعلام الفكر المعاصر البارزين، وأخص بالذكر هنا الدكتور عمار الطالبي رئيس “كرسي مالك بن نبي للدراسات الحضارية” ومساعده الأستاذ عبد اللطيف سيفاوي، وكذلك مدير شركة “الأصالة للنشر”، الأستاذ محمد أوزار.
هذه الجائزة تُمنح للباحثين الذين يكرّسون جهودهم لدراسة وتطوير فكر مالك بن نبي، لقد لاحظت أن بعض الباحثين يهتمون بفكره في بداية حياتهم الأكاديمية، ولكنهم ينتقلون إلى مواضيع أخرى بعد فترة.. أعتقد أن استمرارية البحث والتجديد في هذا المجال هي شرط أساسي لنيل الاعتراف العلمي من طرف أهل التخصّص.
في تجربتي الشخصية.. قضيت سنوات طويلة في تدريس فكر مالك بن نبي، وكنت قد أصدرت ثلاثة كتب حول هذا الموضوع، والتي نفدت من الأسواق رغم تعدّد طبعاتها، كما قدّمت العديد من المحاضرات داخل الجزائر وخارجها، وشاركت في برامج إذاعية وتلفزيونية عرفتُ من خلالها الجمهور بسيرة هذا المفكر وإسهاماته.
من خلال تواصلي المستمر مع الطلبة والباحثين، أتلقى رسائل ومكالمات تتناول قضايا دقيقة في فكر بن نبي، أعتقد أن هذا التواصل هو جزء من الاعتراف بمرجعيتنا العلمية، وفي نفس الوقت مسؤولية تقتضي الصبر وسعة الخاطر والإيمان برسالة التكوين والبحث.
^ اشتغلتم أيضا على أعلام الفكر في الجزائر والعالم الإسلامي، ولم تتوقفوا في أبحاثكم عند مالك بن نبي، هلا حدثتمونا عن جهودكم في هذا المجال؟
^^ وهو كذلك، بالإضافة إلى اهتمامي بفكر مالك بن نبي، فقد قمت بدراسة أعلام الفكر في الجزائر والعالم الإسلامي، جاءت دراستي لمالك بن نبي ضمن اهتمام أوسع بتاريخ الفكر المعاصر، حيث انصب عملي على تتبع الفكر في امتداداته الإنسانية، فبحثت في جذور الحركة الإصلاحية الجزائرية في منتصف القرن 19 وبدايات القرن 20، مع العلماء الرواد، ثمّ تتبعت تاريخ الإصلاح في مرحلته الثانية التي ظهرت فيها مبادرات إصلاحية ونهضوية فردية وأخرى جماعية، لذلك خصّصت أعمالا عديدة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأعلامها المعروفين والمغمورين.
ومن أبرز هذه الأعمال “موسوعة تراث الحركة الإصلاحية الجزائرية” التي صدرت في 3 أجزاء لحدّ الآن، وأذكر أيضا “الشيخ عبد الحميد بن باديس مسار وأفكار”، و«الفكر الإصلاحي المعاصر وقضايا التنوير”، وغيرها من الكتب.
انتقلت إلى المحور الثاني وهو التواصل بين النخبة الجزائرية والنخب الموجودة في المغرب العربي أو في المشرق العربي، رغم كل المعوقات سواء في زمن الاستعمار أو بعد التحرر من الاحتلال الأجنبي، وأذكر في هذا السياق، الكتابين: “التواصل الفكري بين النخب الإصلاحية في المغرب الكبير”، و«العلاقات الثقافية بين الجزائر والمشرق العربي في القرن العشرين”.
لقد قمت ببحث العلاقات بين الإسلام والغرب، وهو مجال معرفي ثالث استثمرت فيه تجربة علمية وشخصية تراكمت خلال اثنتي عشرة سنة من الإقامة في فرنسا، أثمر ذلك خمسة كتب في الدراسات الاستشراقية والاستغرابية، ولم تلق بعد هذه الموضوعات مكانتها التي تستحقها في البحث العلمي في بلادنا وفي العالم العربي.
درس المستشرقون تراثنا العربي الإسلامي من وجهة نظرهم، فخدموه من ناحية التحقيق والنشر والترجمة إلى اللغات الأوروبية، لكن تمّ أيضا توظيفه من طرف الدول الاستعمارية الكبرى لاحتلال الأقطار العربية والإسلامية، فالمعرفة تحوّلت إلى أداة للهيمنة، ونحن نحتاج اليوم إلى دراسة الثقافة الغربية والتعمق في استيعاب فكرها حتى يكون تعاملنا مع الدول الغربية تعاملا صحيحا يناسب مستوى التحديات القائمة، ويحقق المصالح المشتركة بيننا وبين العالم المتقدم.
وإذا كانت الجامعات الغربية فتحت مخابر وأقسام ومراكز لدراسة الثقافة العربية ويتخرّج منها سنويا أفواج من الخبراء، فإن الجامعات العربية لا تزال متأخرة في الاهتمام بالدراسات الغربية!
^ مسيرتكم الأكاديمية والفكرية تزخر بإسهامات في مجالات متعدّدة، إلى أي مدى ترون أن البحث العلمي في الجزائر اليوم قادر على مواكبة التحديات الحضارية الراهنة؟
^^ أعتقد أن البحث العلمي في الجزائر اليوم قادر على مواكبة التحديات الحضارية على ضوء الأفكار التي طرحها بن نبي منذ عقود، فينبغي أن تظل مخرجات البحث العلمي حاضرة في توجيه السياسات التنموية ومرافقتها في الميدان، فالتنمية هي عملية بناء وليست عملية تكديس كما شرحها مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة”.
لقد طرح مالك بن نبي فكرة سياسية، تتمثل في الدعوة إلى تكتل الدول المحورية في الجنوب وبناء اقتصاد مشترك، فهناك قضايا مصيرية تتجاوز إمكانات الدولة الوطنية، لذلك تحتاج إلى تكتل إقليمي أو دولي لحلها.
العرب والمسلمون أولى من غيرهم في رسم نظام عالمي جديد يحفظ حقوقهم ويحمي خيراتهم، ولقد ناقش بن نبي هذه الفكرة الوحدوية في كتبه “فكرة الإفريقية ـ الآسيوية”، و«وجهة العالم الإسلامي” و«كومنولث إسلامي”، وقد استشرف منذ الخمسينيات انتقال مركز الحضارة الاسلامية من المشرق العربي إلى الشرق الاسيوي ماليزيا واندونيسيا وتركيا وإيران، وهذا ما نشاهده اليوم من تراجع وزن العالم العربي في السياسية الدولية والتأثير على القرارات التي لها الصلة بالقضايا الاسلامية.
^ في سياق تكريمكم من طرف الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية، ما هي الرسائل التي تودون توجيهها للجيل الجديد من الباحثين والطلبة المهتمين بالفكر الحضاري وبناء الوعي؟
^^ الجيل الجديد من الباحثين والطلبة المهتمين بالفكر الحضاري يعيشون في سياق مغاير تماما لما عايشه علماؤنا في فترة الاحتلال، والسياق التاريخي الذي عايشه جيلي، فلابد أن أوصيهم بفهم سياقهم الحضاري، واستيعاب متطلباته، ومواكبة تحولاته، مع الإفادة من منجزات الحضارة المعاصرة والإسهام فيه؛ ففقه الحضارة يعلمنا بأن الفعالية هي محرك التاريخ، وأن الحضارة ما هي إلا ثمرة تفعيل مجموعة من العوامل ليتحوّل المجتمع من دائرة الاحتلال والتخلف إلى ميدان الحرية والتقدم.
وهذا الجيل يملك من الوسائل والمؤهلات ما يسمح له من خوض هذه الحرب التنموية والانتصار على المعوقات وتحقيق الرفاهية، وربما تنقصهم الآن الهمة، فهذه المهمة تعود إلى المفكرين الذين يقدرون على استنهاضها من جديد، ويحثّون الشباب على الإقدام على العمل، ويزرعون الأمل في الأنفس في غد أفضل.







