تدوير طن من الألمنيوم يوفر 95 بالمائة من الطاقة.. سرّ التهافت على المسترجعات
نصائح للمقاولين الشباب.. اِبدؤوا بالسلسلة وأمّنوا المواد الخام.. المصنع يأتي لاحقا
لم تعد النفايات في المفهوم الاقتصادي المعاصر مجرد عبء بيئي يتطلب التخلص منه، بل تحولت إلى قاعدة صلبة لما بات يعرف عالميا بـ «الاقتصاد الدائري»، وفي الجزائر، وبناء على التوجهات الجديدة للدولة نحو بناء اقتصاد أخضر ومستدام، برز قطاع تدوير النفايات كواحد من أكثر القطاعات الواعدة، خاصة بعد صدور القانون 25-02 لسنة 2025 المعدل والمتمم للقانون 01-19، والذي أحدث ثورة في المفاهيم القانونية والاستثمارية.. لتشريح هذا الملف من زواياه التقنية، الاقتصادية، استضافت جريدة «الشعب» الخبير الاستشاري في البيئة، دراجي بلوم علقة، فكان هذا الحوار..
– الشعب: كيف تفسرون تحول قطاع التدوير في الجزائر من نشاط بيئي إلى قطاع استثماري مربح؟
دراجي بلوم علقمة: في الواقع، نحن نعيش لحظة فارقة في تاريخ السياسة البيئية والاصطناعية في الجزائر، فلسنوات طويلة، كان التعامل مع النفايات يتم عبر اقتصاد الردم، أي نأخذ المادة، نستهلكها، ثم ندفنها في مراكز الردم التقني، وهو ضياع صريح للقيمة المادية.
أما اليوم، وبفضل الوعي الاستراتيجي الجديد، ننتقل إلى اقتصاد التثمين، الربحية هنا هي حقيقة مدعومة بثلاثة ركائز، أولها، انخفاض تكلفة المادة الأولية، فالنفاية تُجمع بأسعار زهيدة مقارنة بالمواد الخام المستوردة، ثانيها، الطلب المتزايد من المصانع المحلية التي تبحث عن بدائل لتقليل تكاليف الإنتاج، وثالث الركائز، الدعم القانوني القوي، ففي الجزائر، سوق الرسكلة مفتوح على مجالات البلاستيك، الورق، المعادن، والإطارات المطاطية، وهي مواد تمثل خامات أساسية لصناعات كبرى.. القطاع اليوم يخلق قيمة مضافة وفرص عمل، ويحول العبء المالي الذي كانت تتحمله البلديات إلى مورد جبائي واستثماري.
– أشرتم إلى الدعم القانوني، وتحديتم تحديدا قانون 25-02 لعام 2025، ما هي الطفرة التي أحدثها هذا التعديل مقارنة بالتشريعات السابقة؟
هذا التعديل هو «المانيفستو» الجديد للرسكلة في الجزائر، المرجعية السابقة (قانون 01-19) كانت تركز على التنظيف والإزالة، أي الجانب الخدماتي والتقني الصرف، أما القانون الجديد 25-02 المنشور في الجريدة الرسمية سنة 2025، فقد نقلنا إلى زاوية الأمن الاقتصاد، فالتعديلات الجديدة أدخلت مبادئ ثورية، أهمها مسؤولية المنتج (REP)، حيث يصبح المنتج مسؤولا عن دورة حياة منتجه حتى بعد استهلاكه، كما شددت على التتبع الرقمي للنفايات، وفرضت مبدأ تثمين النفايات كأولوية قبل الردم، هذا القانون صُمم ليشجع الاستثمار في إعادة التدوير، وهو يشبه إلى حد كبير المسارات التشريعية التي سلكتها أوروبا قبل عقدين، مما يفتح الباب أمام المؤسسات الناشئة للدخول في سوق منظمة ومحمية قانونا.
– بلغة الأرقام والمقارنات الدولية، أين تتموضع الجزائر حاليا في خارطة التثمين العالمية؟ وما هو حجم الفجوة التي تمثل فرصة استثمارية؟
الأرقام تتحدث عن نفسها وتكشف حجم الهدر الحالي، الجزائر تنتج سنويا ما بين 13 إلى 15 مليون طن من النفايات المنزلية، وما يفوق 30 مليون طن من النفايات الخاصة والصناعية والهامدة، لكن المثير للدهشة هو أن نسبة التثمين والرسكلة الفعلية لدينا لا تزال تدور حول 10 بالمائة فقط، وفق تقديرات الوكالة الوطنية للنفايات (AND).
بالمقابل، نجد دولا مثل ألمانيا تتجاوز 65 بالمائة في رسكلة النفايات البلدية، وهولندا وبلجيكا فوق 55 بالمائة، هذه الفجوة الاقتصادية بين الـ 10 بالمائة والـ 60 بالمائة هي المنطقة التي نسميها «السوق المغرية»، نحن نتحدث عن ملايين الأطنان من البلاستيك والمعادن والورق التي تذهب حاليا للردم، في حين أن المصانع الجزائرية (البلاستيك، الحديد والصلب، الورق، الإسمنت) تستهلك مواد أولية مستوردة بالعملة الصعبة، والرسكلة هي الحل المباشر لتقليص فاتورة الاستيراد ورفع نسبة الإدماج الوطني.
– طرحتم في تقاريركم فكرة مثيرة للاهتمام، وهي أن الرسكلة ليست مجرد ربح مالي، بل هي أداة أمن اقتصادي، كيف يمكن للخردة والبلاستيك أن يحميا سيادة الدولة الصناعية؟
هذا هو جوهر رؤيتي المستقبلية، يجب أن نخرج من حيز البيئة الجميلة إلى الصناعة القوية، الرسكلة هي «منجم داخلي» مرن، في الحالات الطبيعية، قد تساهم بنسبة بسيطة في الناتج المحلي، لكن في حالات الأزمات، مثل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، أو الحروب، أو ارتفاع أسعار النفط والمواد الخام، تصبح الرسكلة هي الدرع، فعندما يُغلق العالم حدوده أو ترتفع الأسعار بجنون، تصبح النفايات المحلية هي الخام الاستراتيجي، فالاقتصاد التقليدي الذي يعتمد على الخارج عرضة للصدمات، أما الاقتصاد الدائري فيعتمد على الداخل مما يجعله أكثر مرونة، لذا أدعو الجهات المعنية لتصميم «نظام وطني للأمن الصناعي عبر الرسكلة»، بحيث ننشئ احتياطات استراتيجية من المواد المعاد تدويرها، مثلما نملك مخزونا للنفط والقمح، هذا يضمن عدم توقف المصانع عند نقص الاستيراد ويمنح الاقتصاد وقتا للتكيف.
– هل تمتلك الجزائر فعليا المقومات التكنولوجية والطاقوية لبناء هذه القلعة الصناعية؟
نعم، وبقوة.. الجزائر ليست مجرد بلد ينتج النفايات، بل هي بلد يمتلك محركات الرسكلة، أولا، نحن نملك قاعدة طاقوية هائلة ومستقرة (كهرباء وغاز طبيعي) مقارنة بدول إفريقية أخرى، والرسكلة كما هو معروف صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ثانيا، لدينا ميزة تنافسية عالمية في الطاقات المتجددة، الجزائر تمتلك أكثر من 4000 ساعة شمس سنويا، تخيلوا تشغيل مصانع الفرز والطحن والتجفيف بالطاقة الشمسية في الجنوب؛ هذا سيعني أن تكلفة إنتاج المادة المعاد تدويرها في الجزائر ستكون الأقل عالميا، حتى أقل من أوروبا في المستقبل القريب.
ثالثا، لدينا البنية التحتية من موانئ وشبكة نقل وسوق استهلاكية ضخمة (48 مليون نسمة)، مما يضمن استمرارية التدفق من المستهلك إلى المصنع.
بالحديث عن الجدوى الاقتصادية للشباب، كيف تتحول النفايات في يد مستثمر ناشئ إلى مورد مالي حقيقي؟
الجدوى تكمن في القيمة المضافة التي تُخلق في كل مرحلة، لنأخذ البلاستيك كمثال: يُشترى من الجامعين بأسعار منخفضة جدا، ولكن بعد عمليات بسيطة (فرز، غسل، طحن) وتحويله إلى حبيبات، يُباع للمصانع بضعفي أو ثلاثة أضعاف تكلفة جمعه.
أما الألمنيوم والنحاس، فهما المنجم الحقيقي؛ سعر الكيلوغرام الواحد من النحاس المسترجع يفوق سعر الحديد العادي عدة مرات بسبب الطلب العالمي والمحلي الهائل، حتى الورق والكرتون، يحققان دورة مالية سريعة جدا بسبب الاستهلاك اليومي لمصانع التغليف.
عمليا، مؤسسة مصغرة تعالج 10 أطنان من البلاستيك شهريا يمكنها تحقيق رقم أعمال معتبر، مع العلم أن المشروع في بدايته لا يحتاج تكنولوجيات معقدة، بل آلات طحن وغسل أساسية، والسر الاقتصادي هنا هو توفير الطاقة؛ فإعادة تدوير طن ألمنيوم يوفر 95 بالمائة من الطاقة مقارنة بإنتاجه من الخام، وهذا ما يجعل المصانع تتهافت على شراء المادة المعاد تدويرها لتقليل فواتير طاقتها.
– لا يمكن إغفال التحديات، فما هي العقبات التقنية التي قد تحول دون جودة المنتج النهائي في مصانع التدوير الجزائرية؟
هذه نقطة جوهرية، الربحية موجودة لكنها مشروطة بالاحترافية التقنية، وأكبر عائق هو اختلاط النفايات، فعندما يختلط البلاستيك بالمواد العضوية أو المعادن، تنخفض جودته وترتفع كلفة تنظيفه.. ثانيا، هناك ضعف جودة المادة المسترجعة أحيانا؛ فالبلاستيك مثلا أنواع، وبعضها لا يتحمل إعادة الصهر المتكرر.. ثالثا، التكلفة التكنولوجية صعبة على المبتدئين؛ آلات الفصل المغناطيسي وأفران الصهر المتطورة لا تزال مستوردة وتتطلب صيانة دورية.. رابعا، استهلاك المياه؛ فعمليات الغسل تحتاج كميات كبيرة، وفي حال غياب بنية تحتية مائية صناعية، تتعطل الإنتاجية.. وأخيرا، تقلب الأسعار العالمية، فسوق الرسكلة مرتبطة بسعر البترول، إذا انخفض سعر البترول بشدة، يصبح البلاستيك الجديد أرخص أحيانا من المعاد تدويره، وهنا تظهر أهمية الدعم الحكومي لحماية المنتج المحلي الأخضر.
– ننتقل إلى نقطة الفرز من المصدر كيف يمكن للمواطن أن يصبح شريكا اقتصاديا؟
الفرز من المصدر هو المفتاح السحري، بدون فرز، نحن نتحدث عن نفايات منخفضة القيمة وصعبة التثمين، في الجزائر، الثقافة البيئية لا تزال في بدايتها، والفرز الانتقائي محدود جدا.
الحل ليس في المواعظ، بل في المنظومة، يجب اعتماد نظام فرز بسيط (حاويتان فقط في البداية: جافة وعضوية)، الدولة تتجه الآن نحو رقمنة التصاريح وتتبع مسار النفايات، وهذا سيحارب السوق السوداء والرمي العشوائي.. لكن الأهم هو إدماج القطاع غير الرسمي، هناك آلاف العائلات تعيش من جمع البلاستيك والخردة في مفارغنا وشوارعنا، لا يمكننا إقصاؤهم، بل يجب تنظيمهم في تعاونيات ومنحهم صفة قانونية وتأطيرا صحيا، هؤلاء هم الجيش الميداني الذي يضمن وصول المادة للمصانع، وتنظيمهم سيرفع كفاءة الجمع بنسبة مذهلة.
– هل يمكن للرسكلة أن تساهم فعليا في خفض انبعاثات الكربون وتحقيق التزامات الجزائر المناخية؟
بكل تأكيد، الرسكلة هي سلاحنا الأخضر، كل طن يُعاد تدويره يعني انبعاثات أقل من الاستخراج (مناجم، نفط، غابات)، لغة الأرقام العالمية تقول إن إنتاج طن ألمنيوم من الخام يطلق 11 إلى 17 طن من ثاني أكسيد الكربون، بينما إعادة تدويره تخفض هذه الانبعاثات بنسبة 95 بالمائة ، البلاستيك أيضا، تدويره يخفض الانبعاثات بنسبة تصل لـ 70 بالمائة.
في الجزائر، الرسكلة ستقلل الضغط على المفرغات العمومية التي تنبعث منها غازات سامة وغاز الميثان المسبب للاحتباس الحراري، نحن لا نتخلص من النفايات فقط، نحن نحمي هواءنا وتربتنا ومياهنا الجوفية، ونبني تنمية نظيفة تضمن حق الأجيال القادمة.
– وماذا عن دور البحث العلمي؟ كيف نربط الجامعة بالمصنع في مجال الاقتصاد الأخضر؟
الجامعة يجب أن تكون مختبر الحلول، نحن بحاجة لأبحاث تحسن من كفاءة استخدام الموارد، وتبتكر طرقا لمعالجة النفايات الإلكترونية والطبية المعقدة بأقل التكاليف، أعتقد ان التعاون بين الجامعة والقطاع الاقتصادي سيحول الأطروحات النظرية إلى مؤسسات ناشئة في مجالات الطاقة الشمسية والرسكلة الذكية، والجامعة هي من سيقود التغيير السلوكي والثقافي، وهي من سيخرج لنا جيلا من المهندسين الخضر القادرين على إدارة هذه الصناعة.
– هل يمكن للرسكلة أن تكون «البديل الحقيقي» للمحروقات في الجزائر؟
الرسكلة لن تزيح المحروقات عن عرشها من حيث حجم السيولة والعملة الصعبة فورا، لكنها ستكون العمود الثاني للاقتصاد.. سوق الرسكلة العالمية تتجاوز 600 مليار دولار سنويا، وفي الجزائر، إذا نجحنا في الوصول لمستويات رسكلة بـ50 بالمائة (وهو طموح كبير لكنه ممكن)، سنبني صناعة تحويلية شبه مكتملة، وسنقلل التبعية للمواد الأولية المستوردة بشكل جذري.
المحروقات تمنحنا الطاقة والعملة، والرسكلة تمنحنا الأمان الصناعي والوظائف والاستدامة، هي ليست بديلا للنمو، بل هي الدرع الذي يحمي صناعتنا عندما يتعطل العالم الخارجي، النجاح ليس في جمع النفايات، بل في تحويلها إلى مواد تدخل في صلب الاقتصاد الوطني.
– ما هي نصائحك العملية لمن يريد البدء في مشروع تدويري اليوم؟
نصيحتي للشباب والمستثمرين تتلخص في أربعة نقاط ذهبية، أولها لا تبدأ بالمصنع.. ابدأ بالسلسلة، فأكبر خطأ هو شراء آلات غالية قبل تأمين تدفق ثابت من النفايات المفروزة، المصنع بدون مواد خام هو خسارة محققة، ثانيها سر التخصص، ابدأ بنوع واحد من النفايات (بلاستيك PET، أو كرتون، أو ألمنيوم).. لا تشتت نفسك في كل شيء منذ البداية، ثم الجودة، فالمصانع الكبرى لن تشتري منك مادة ملوثة أو رديئة، استثمر في عمليات الفرز والغسل لضمان نقاوة المادة، ورابع النصائح هو الشراكة المجتمعية، لا تنتظر النفايات لتصل إليك، اذهب أنت إليها عبر اتفاقيات مع البلديات، الأحياء، المطاعم، والمؤسسات.
أقول إن تطوير هذا القطاع في الجزائر يتطلب الانتقال من منطق المعالجة إلى منطق الصناعة، نحن أمام فرصة تاريخية، والنفايات اليوم هي ثروة خام مهملة تنتظر من يستخرجها.





