عرض الدكتور موسى بودهان في الحلقة السابقة المرجعية القانونية والمؤسساتية لحماية التراث والذاكرة الوطنية في الجزائر؛ وأبرز التدابير الصارمة لـ»قانون المجاهد والشهيد» في صون رموز معالم ثورة التحرير وإلزامية تدريس التاريخ للناشئة، بالتكامل مع «قانون الأحزاب السياسية» الذي يشترط احترام مبادئ أول نوفمبر 1954 في أنشطتها وممارساتها، ولتجسيد هذه الحماية، تطرق الكاتب إلى الميكانيزمات المؤسساتية القائمة من خلال الهيئات الحكومية الرسمية (كرئاسة الجمهورية ووزارات المجاهدين، الدفاع، والتعليم العالي) والهيئات والجمعيات غير الحكومية، وختم بعرض العقوبات الجزائية الردعية المنصوص عليها في قوانين العقوبات، والأرشيف الوطني، والمجاهد والشهيد، والتي تعاقب بالحبس والغرامة كل من يتورط في تدنيس العلم الوطني، أو تخريب المعالم والمتاحف والوثائق التاريخية، أو المساس بالرموز الوطنية.
لقد حاولت من خلال هذا المقال المتواضع، تسليط بعض الأضواء الكاشفة على أهم النصوص التشريعية والأحكام التنظيمية المتعلقة بالتراث التاريخي والثقافي لثورتنا التحريرية المباركة ومآثرها ورموزها المجيدة بصفة خاصة، سواء من حيث صيانته وترميمه أو من حيث حمايته والمحافظة عليه، تبعا لصنف ونوع هذا التراث أو ذاك، أي بحسب ما إذا كان تراثا أثريا بعقاره ومنقوله، أو فيما إذا كان تراثا ثقافيا، بتاريخه وفنه، بحضارته وأدبه..
هي محاولة، أعتبرها بمثابة الخطوة الأولى في المسيرة الكبرى الواجب انتهاجها من أجل التعريف الدقيق والواضح بتراثنا الوطني، وبالتالي توعية الجميع، أفرادا ومؤسسات، برعايته وصونه على أفضل وجه، نظرا للأهمية الكبيرة التي يتميز بها، على النحو الذي سبق أن أشرنا إليه فيما تقدم من الفقرات.
محاولة قدمتها كمساهمة متواضعة في هذه المناسبة السعيدة والغالية علينا جميعا، ألا وهي مناسبة إحياء ذكرى عزيزة علينا كيف لا وهي تتعلق بثورة نوفمبر 1954 المجيدة، ولا يفوتني أن أقدم، بكل تواضع بعض المقترحات وكذا بعض التوصيات العملية التي من شأنها تدعيم الجهات والمؤسسات والهيئات الرسمية والمعنية أو المختصة، بالإمكانيات المادية والبشرية وبالوسائل القانونية والتنظيمية اللازمة لترميم وحماية تراث ومآثر ورموز المقاومة الشعبية والحركة الوطنية عموما، وثورة التحرير الوطني خصوصا، على الوجه الأكمل، وهذه التوصيات والمقترحات يمكن تقديمها على النحو الآتي:
– الإسراع في إحداث وتنصيب المجلس الأعلى لذاكرة الأمة الذي نصت عليه المادة 64 من القانون رقم 99-07 الصادر في الجريدة الرسمية رقم 25 بتاريخ 5 أبريل سنة 1999 والمتعلق بالمجاهد والشهيد.
ولن يتم ذلك إلا بإجراء أولي يتمثل في سن نص تنظيمي (مرسوم رئاسي أو مرسوم تنفيذي) يحدد تشكيله هذا المجلس وكيفية سيره وعمله، تنظيمه وصلاحياته، نص يتبع بإجراء ثان يتمثل في انتقاء الأسماء المرشحة للعضوية في هذا المجلس على أن تكون من الكفاءات العلمية والشخصيات الوطنية وذوي الاختصاص لاسيما في مجالات التاريخ، القانون وغيرها من مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية، وبعد ذلك تدعيمه بالإمكانيات والوسائل المادية والبشرية (اللازمة) لتأطيره، تنظيمه وسيره من أمانة تقنية ومديريات أو مصالح فنية ومن تجهيزات ومعدات ضرورية..إلخ.
ونقترح، هنا أن يتولى رئيس الجمهورية تنصيبه في أول نوفمبر القادم، بمناسبة إحياء الذكرى المخلدة لثورة أول نوفمبر 1954 المجيدة.. تجدر الإشارة هنا أن هذا المجلس قد مر على استحداثه أكثر من عشرين سنة على إصدار النص الخاص به، ونظرا لدوره وأهميته بالنسبة للذاكرة الجماعية للشعب الجزائري فإنه من المستعجل الإسراع في تنصيبه.
– تشجيع الباحثين والدارسين وكل المختصين في المجالات السياسية والقانونية عموما، وفي تاريخ المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر خصوصا مع تدعيمهم، ماديا ومعنويا بتوفير كافة الشروط الضرورية لهم حتى ينجزوا أعمالهم ونشاطاتهم في أحسن الظروف وبالكيفيات المثلى.
– إيجاد آليات أخرى أكثر تنظيما ودقة، من حيث العدل والإنصاف، بخصوص تسمية الأماكن والمؤسسات والساحات والبنايات والأنهج والهيئات والمواقع العمومية وغيرها بأسماء الشهداء والمجاهدين وغيره من رموز الوطن والثورة. وذلك حتى يتم تفادي بعض النقائص الملاحظة في هذا الشأن، وخاصة منها:
«تكرار أسماء بعض الشهداء والمجاهدين في نواحي ومناطق كثيرة من الوطن، في الوقت الذي قد لا يذكر فيه اسم شهيد أو مجاهد في أي مكان ما من هذا الوطن. وهو ما قد يخلف نوعا من الاشمئزاز والتقزز لدى المجاهدين وذوي الحقوق».
– حث وتشجيع، ماديا ومعنويا، صانعي الوقائع والأحداث التاريخية لثورة أول نوفمبر 1954 الخالدة بصفة خاصة والحركة الوطنية والمقاومة الشعبية بصفة عامة، حتى يدلوا بشهادتهم الحية، فيسجلها المختصون في مختلف العلوم التاريخية، القانونية والسياسية وغيرها، من أفواههم مباشرة كما هي دون زيادة أو نقصان، خدمة للأمانة العلمية وتدوينا للتاريخ الوطني في عمومه.
– فرض عقوبات جزائية مالية وبدنية مناسبة ضد كل من تسول له نفسه الاعتداء على مآثر وتراث ثورة التحرير الوطني أو المساس برموزها كما ورد تعريفها وتحديدها في قانون المجاهد والشهيد
حتى يكف عن أي محاولة في هذا الشأن ويوضع، بالتالي، حد نهائي لأي تجاوز فيه.
ذلك أن العقوبات الحالية غير مناسبة، لا من ناحية الردع العام ولا من ناحية الردع الخاص ويكفي للاستدلال على ذلك أن نوردها على سبيل المثال لا الحصر، العقوبة المنصوص عليها في المادة 160 مكرر 4 من الأمر رقم 66-156 المؤرخ في يونيو 1966، المتضمن قانون العقوبات المعدل والمتمم والتي لا تتعدى، غرامة تتراوح بين 500 و2000 د.ج.
– حث المجاهدين ومن في حكمهم على إثراء مؤسسات المتحف الوطني للمجاهد وملحقاته والمتحف المركزي للجيش والمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، وتزويد هذه المؤسسات بما لديهم من ألبسة، معدات، أدوات، صور، أفلام، وثائق، مذكرات تقارير، مجلات، جرائد وغير ذلك مما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمآثر ورموز وتراث ثورة التحرير الوطني بصفة خاصة وبالمقاومة الشعبية والحركة الوطنية بصفة عامة، قصد الحفاظ عليها وحمايتها من أي شطط أو تلف أو اندثار، على أن تكون هناك تحفيزات مادية ومعنوية سواء في شكل شهادات شرفية أو جوائز تقديرية أو جوائز مالية أو تشجيعية تسدى للمجتهدين في هذا الشأن كمقابل لما يبذلونه من جهد بخصوصه ولما يقومون به من عمل.
– تزويد وتدعيم وزارة المجاهدين والمؤسسات المختصة التابعة لوصايتها كالمتحف الوطني للمجاهد وملحقاته والمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 والمديريات الولائية للمجاهدين وكذا المؤسسات والهيئات الأخرى التابعة سواء لرئاسة الجمهورية مثل المديرية العامة للأرشيف الوطني والمركز الوطني للمحفوظات الوطنية وملحقاتهما، أو التابعة لوزارة الدفاع الوطني كالمتحف المركزي للجيش أو التابعة لوزارة الثقافية والاتصال مثل دور ومديريات ومراكز الثقافة والحظائر والوكالات المختصة في حماية التراث، أو التابعة لوزارة الداخلية كالبلديات والولايات، بالوسائل المالية والإمكانيات المادية والبشرية الضرورية، حتى تقوم، على الوجه الأكمل بالواجبات والالتزامات والمهام الملقاة على عاتقها في هذا المجال (مجال حماية التراث الوطني بصفة عامة وحماية تراث ورموز المقاومة الشعبية والحركة الوطنية بصفة خاصة وحماية مآثر ورموز ثورة أول نوفمبر 1954 بصفة أخص).
– العمل على استرجاع أرشيفنا الوطني الموجود خاصة في فرنسا، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تكثيف الجهود وتنسيق العمل لاسيما بين الجهات الرسمية المختصة في الدولة من جهة وبين جمعيات ومنظمات وهيئات المجتمع المدني من جهة أخرى، مع تثمين جميع المبادرات التي قامت بها بعض الجهات وخاصة منها المديرية العامة للأرشيف الوطني ووزارة المجاهدين واللجنة الوطنية للذاكرة في هذا المضمار، وحث الجميع طبعا على المزيد من الجهد حتى نسترد كنوزنا التراثية والتاريخية التي سلبتها ونهبتها منا فرنسا.
كما لا يسعني في هذا المقام المحترم، إلا أن أنوّه بالمجهودات القيمة والمساعي الحثيثة والنبيلة التي يبذلها المشرفون والقائمون على شؤون:
1. رئاسة الجمهورية لاسيما من خلال المديرية العامة للأرشيف الوطني ومركز الأرشيف الوطني والمركز الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة، بخصوص استرجاع أرشيفنا وتراثنا وبقية جماجم رموز مقاومتنا الوطنية،
2. وزارتا الثقافة والاتصال من خلال المؤسسات الثقافية والإعلامية التابعة لوصايتهما، من قنوات تلفزية وإذاعات وطنية وجهوية ومديريات ولائية للثقافة ومتاحف ومراكز وحضائر ودواوين ووكالات،
3. وزارة المجاهدين، لاسيما من خلال المتحف الوطني للمجاهد وملحقاته، البالغة، لحد الآن فيما أعلم، أكثر من ثلاثين ملحقة منجزة وتمارس عملها بصفة رسمية، وأخرى في طور الإنجاز، وكذا من خلال المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر سنة 1954، وأيضا من خلال المديريات الولائية للمجاهدين عبر التراب الوطني،
4. وزارة الدفاع الوطني لاسيما من خلال المحافظة السامية للجيش الوطني الشعبي والمتحف المركزي للجيش،
5. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من خلال معاهدها أو كلياتها المتخصصة (كليات التاريخ)،
6. وزارة الداخلية والجماعات المحلية من خلال الولايات والبلديات،
7. وزارة الشؤون الدينية والأوقاف من خلال المساجد،
8. الأمانات الوطنية للمجاهدين، أبناء الشهداء، أبناء المجاهدين، قدماء الجيش الوطني الشعبي، الكشافة الإسلامية، جمعية أول نوفمبر لتخليد وحماية مآثر الثورة في الأوراس، جمعية 11 ديسمبر، جمعية التاريخ والتراث الأثري لمنطقة الأوراس، جمعية مشعل الشهيد، الرابطة الجزائرية للفكر والثقافة، الجمعية الوطنية لحماية التراث الوطني، إلى جانب طبعا الأمانات المحلية (الولائية والبلدية) لهذه المنظمات والجمعيات … إلخ، في سبيل حماية الكنوز الثمينة التي يزخر بها التراث التاريخي والثقافي لثورتنا التحريرية المجيدة، بمختلف مآثرها ورموزها الشامخة، مع نقلها بأمانة ورعاية لاسيما من جيل الجهاد والتضحية في سبيل الوطن إلى الأجيال الصاعدة حتى نضمن لها الاستمرارية والدوام بين مختلف الأجيال ومهما طالت الأيام والسنون.
أملي أنني قد ساهمت، ولو رمزيا، في التعريف بهذا الزخم الهائل من النصوص القانونية التي لها علاقة مباشرة بثورتنا التحريرية المجيدة بصفة خاصة. والذي يحق لأمتنا عامة ولأجيالها الصاعدة خاصة أن تتباها وتفتخر به أمام الشعوب والأمم، وتبذل بالتالي في سبيل رعايته وحمايته، كل غال ونفيس، وأتمنى أنني وفقت ولو بعض الشيء في ذلك وألتمس من المولى عز وجل أن يعيد علينا وعلى جزائرنا الحبيبة مثل هذه المناسبات السعيدة كل سنة وأمتنا بألف ألف خير، آمنة مستقرة ومزدهرة.




