الدراسات البينيّة بين اللسانيات والنقد الأدبي: سؤال التأصيل وحدود التفاعل” عنوان مشروع الكتاب الجماعي العلمي الذي أطلقه “مخبر التراث الأدبي الجزائري الرسمي والهامشي” بجامعة سكيكدة. ويستكشف الكتاب طبيعة الدراسات البينيّة في مجال اللسانيات والنقد الأدبي، وتمثّلاتها في أنماط التفاعل بينهما، من خلال رصد وجوه الإفادة النقديّة من المفاهيم اللسانيّة ومناهجها ومقارباتها، والوقوف على كيفيات توظيف هذه الأدوات المفهوميّة والإجرائيّة في تحليل النصوص والخطابات الأدبية.
أطلق “مخبر التراث الأدبي الجزائري الرسمي والهامشي” بقسم اللغة والأدب العربي بجامعة سكيكدة، في إطار فرقة البحث (الخطاب البلاغي التعليمي في الجامعة الجزائرية: إشكالات ومقترحات)، مشروع كتاب جماعي محكم عنوانه “الدراسات البينيّة بين اللسانيات والنقد الأدبي: سؤال التأصيل وحدود التفاعل”.
يهدف هذا الاستكتاب إلى “استجلاء طبيعة العلاقة المعرفية والمنهجية بين اللسانيات والنقد الأدبي” في إطار ما يُعرف بالدراسات البينية، ومناقشة سؤال تأصيل التداخل المعرفي بين الحقلين، وبيان مرتكزاته النظرية في البحث اللساني والنقدي المعاصر، والكشف عن آليات توظيف المفاهيم والنظريات اللسانية في تحليل النصوص الأدبية وتقويم مدى فاعليتها الإجرائية، وتقويم التجارب النقدية التي استثمرت المناهج اللسانية في قراءة النص الأدبي، ورصد أهم منجزاتها وإشكالاتها المنهجية. كما يرمي إلى تحديد حدود التفاعل المعرفي بين اللسانيات والنقد الأدبي، والتميز بين التداخل المنهجي المشروع والاستعمال غير المنضبط للمفاهيم، بالإضافة إلى المشاركة في بلورة تصور علمي متوازن يضبط العلاقة بين الحقلين ويُسهم في تطوير آفاق البحث ضمن الدراسات البينية.
ووفقا للمشرفين على المشروع، ويتقدّمهم رئيسه د. طارق بومود، يأتي هذا الكتاب الجماعي في إطار الاهتمام المتزايد بالدراسات البينية، التي غدت من السمات البارزة للبحث المعاصر، إذ تجاوزت الرؤية التخصّصية الضيقة واتجهت نحو إبراز العلاقات بين الحقول المعرفية وفتح جسور التواصل بينها في ضوء رؤية تكاملية بين التخصّصات.
ويأتي هذا التوجّه استجابة لما شهدته بعض الحقول المعرفية من انغلاقٍ نظري وانكفاءٍ داخل حدودها المفاهيمية والإجرائية، الأمر الذي أسهم في تعميق التباعد بين التخصصات وإحداث قدر من الانشطار في بنيتها النظرية ومناهجها الإجرائية.
وفي هذا السياق، تبرز اللسانيات بوصفها أحد الحقول المعرفية التي كان إسهامها بارزا في تعزيز المقاربة البينيّة، من خلال ما أتاحته من إمكانات للتقاطع المعرفي والتكامل المنهجي بينها وبين الدراسات الأدبية والنقدية.
وقد ارتبط بروز هذا التوجّه بالتحولات التي شهدتها اللسانيات الحديثة، وما أفضت إليه من إعادة نظر في الأطر النظرية والمنهجية التي تنظّم مقاربة اللغة والخطاب، الأمر الذي أسهم في توسيع مجالات التفاعل التخصصي بين اللسانيات والنقد الأدبي، وفتح آفاق رحبة لتطوير آليات تحليل النصوص والخطابات الأدبية.
كما أسهمت اللسانيات في إعادة تشكيل التصوّر العلمي للغة؛ إذ لم تعد تُدرَس بوصفها مجموعة من الوحدات المنفصلة، بل باعتبارها نسقا من العلاقات المتشابكة التي تنتظمها مبادئ بنيوية ووظيفية وتداولية وعرفانية. وقد أتاح هذا التحوّل تطوير جملة من المفاهيم والمناهج التحليلية التي مكّنت من مقاربة الظواهر اللغوية مقاربة أكثر انتظاما ودقّة على المستويين النظري والإجرائي. وقد انعكست هذه التحوّلات في حقل النقد الأدبي، حيث اتجهت الدراسات النقديّة إلى الإفادة من المنجز اللساني في تحليل النصوص والخطابات الأدبيّة، من خلال توظيف عدد من مفاهيمه وآلياته التفسيرية والتأويلية، حيث أسهم هذا التفاعل في الانتقال من المقاربات الانطباعيّة إلى مقاربات واعية تقوم على أسس مفهوميّة ومنهجيّة واضحة، بما أتاح توسيع آفاق قراءة النصوص وتعميق فهم بنياتها اللغويّة والدلالية والجمالية.
وتتمحور إشكالية هذا الكتاب الجماعي حول طبيعة العلاقة بين اللسانيات والنقد الأدبي في ضوء الدراسات البينيّة، حيث يطرح السؤالين الآتيين: “كيف يمكن للمنجز اللساني، بمفاهيمه وأدواته التحليلية، أن يُسهم في تطوير النقد الأدبي دون المساس باستقلالية مناهجه؟ وما حدود هذا التفاعل في ضوء الفروق القائمة بين الحقول المعرفية، ولا سيما على مستوى المفهوم والمنهج وأدوات التحليل؟” وعن هذه الإشكالية، تتفرع مجموعةٌ من الأسئلة على غرار: ما المفاهيم اللسانية التي يمكن توظيفها في الدراسات النقدية؟ وما حدود قابليتها للتطبيق دون تشويه الظاهرة الأدبية؟ كيف يمكن دمج المناهج البنيوية والتداولية والسيميائية في مقاربات النقد الأدبي بما يحقق تكاملا منهجيا دون خلط غير منضبط؟ وما أشكال التفاعل الفعلية بين المعطيات اللسانية والمقاربة النقدية في قراءة النصوص والخطابات الأدبية؟ وكيف يمكن إعادة تأصيل الدراسات البينيّة في السياق العربي بما يراعي الخصوصيات الثقافية والتاريخية للنصوص والخطابات؟
ولمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة الإشكالية، يتناول مشروع الكتاب خمس محاور، حيث يتطرّق المحور الأول إلى التأصيل النظري للدراسات البينيّة بين اللسانيات والنقد الأدبي، والمحور الثاني إلى التفاعل المعرفي بين اللسانيات والنقد الأدبي (المفاهيم ومسارات التأثير المتبادل)، والمحور الثالث إلى المناهج اللسانية في تحليل الخطاب الأدبي (الإمكانات والحدود). أما المحور الرابع، فيسلط الضوء على التكامل المنهجي بين المقاربات اللسانية والنقدية في قراءة النصوص الأدبية، فيما يركز المحور الخامس على تأصيل الدراسات البينية في السياق العربي وآفاق تطوير النقد الأدبي.



