قبل أيام قليلة من حلول عيد الأضحى المبارك تتحوّل ولاية سكيكدة إلى فضاء اقتصادي واجتماعي نابض بالحركة، حيث تنتعش عشرات المهن الموسمية المرتبطة بهذه المناسبة الدينية، في مشهد سنوي يعكس عمق العادات الاجتماعية المتوارثة، وقدرة المناسبات الدينية على خلق ديناميكية تجارية واسعة توفر فرص عمل ظرفية لفائدة الشباب والحرفيين وأصحاب النشاطات الصغيرة.
وتشهد الأسواق الشعبية والساحات العمومية والأحياء التجارية عبر مختلف بلديات الولاية، على غرار الحروش وتمالوس ووسط مدينة سكيكدة، حركية غير مسبوقة مع تزايد الإقبال على اقتناء مستلزمات العيد، بداية من الأضاحي وأدوات الذبح وصولا إلى الأواني المنزلية والتوابل والملابس الجديدة.
وتبقى تجارة المواشي النشاط الأبرز خلال هذه الفترة، حيث تمتلئ الأسواق بالمربين القادمين من المناطق الريفية والولايات المجاورة لعرض أضحياتهم أمام عائلات تبدأ مبكرا رحلة البحث عن «كبش العيد»، رغم ما تشهده الأسعار هذا الموسم من ارتفاع ملحوظ وتراجع نسبي في العرض.
وبالقرب من أسواق المواشي، تنتشر طاولات شحذ السكاكين والسواطير في صورة أصبحت جزء من طقوس العيد، ويجلس أحمد، وهو شاب امتهن هذه الحرفة بشكل موسمي، أمام أدواته الحديدية الصغيرة غير بعيد عن سوق الماشية، مؤكدا أن هذه المناسبة «تفتح أبواب الرزق للكثير من الشباب»، مضيفا أن الطلب على شحذ السكاكين يتضاعف أيام العيد بسبب حرص العائلات على تجهيز أدوات الذبح مسبقا.
ولا تختلف أجواء «السويقة» بوسط مدينة سكيكدة عن باقي الأسواق الشعبية، حيث يضاعف باعة السكاكين والسواطير وأدوات السلخ نشاطهم، مستفيدين من الإقبال الكبير على كل ما يرتبط بيوم النحر، في وقت تعرف فيه تجارة الفحم والحبال وأكياس حفظ اللحوم والمبردات المنزلية الصغيرة رواجا ملحوظا.
ويؤكد أحد التجار أن «كل ما له علاقة بعيد الأضحى يصبح مطلوبا خلال هذه الفترة»، مشيرا إلى أن الحركة التجارية تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل مع تزايد إقبال المواطنين على اقتناء مستلزمات العيد.
وتشمل المهن الموسمية خدمات ما بعد الذبح حيث يزداد الطلب على الجزارين المحترفين وعمال السلخ والتقطيع، خصوصا داخل الأحياء الكبرى والتجمعات السكنية الحديثة، ويقول سفيان، وهو جزار شاب، إن عيد الأضحى يمثل بالنسبة إليه «موسم عمل مكثف قد يمتد لثلاثة أيام متتالية»، موضحا أن الطلب على خدمات الجزارين ارتفع بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، خاصة داخل المدن الكبرى التي تفضل فيها بعض العائلات الاستعانة بمحترفين لتقطيع الأضاحي وتحضير اللحوم.
كما ينتعش نشاط النقل بشكل لافت، خاصة عبر الشاحنات الصغيرة والمركبات النفعية التي تتولى نقل الأضاحي من المزارع والأسواق نحو منازل المواطنين، حيث يؤكد أحد السائقين أن الأيام التي تسبق العيد «تعد الأكثر نشاطا طوال السنة» بسبب تضاعف عدد الرحلات اليومية.
وتشهد تجارة الأواني المنزلية البلاستيكية والمعدنية حركية معتبرة، خاصة الدلاء والأوعية المستعملة في تنظيف الأحشاء وحفظ اللحوم، إذ تحرص الكثير من النساء على اقتناء تجهيزات جديدة لإضفاء أجواء خاصة على المناسبة، إلى جانب الإقبال على شراء التوابل التقليدية وتحضير الحلويات الخاصة بعيد الأضحى.
ومن بين المظاهر التي أصبحت تميز شوارع سكيكدة قبيل العيد، انتشار تجارة «عيدان النفخ» المستعملة في نفخ الأضحية بعد الذبح لتسهيل عملية السلخ، حيث يقبل شباب وحتى متقاعدون على بيعها بأسعار تصل الى 100 دينار، في تجارة موسمية بسيطة تحولت مع مرور السنوات إلى نشاط مألوف يرتبط مباشرة بأجواء العيد.
كما تستفيد محلات بيع الملابس والأحذية من هذه المناسبة، مع حرص العائلات على شراء ألبسة جديدة للأطفال لإدخال الفرحة إلى قلوبهم، ما يمنح الأسواق حيوية استثنائية تعكس تمسك المجتمع السكيكدي بعاداته وتقاليده المرتبطة بالمناسبات الدينية.
وتكشف هذه الحركية الموسمية أن عيد الأضحى في سكيكدة لم يعد مجرد مناسبة دينية للاحتفال والشعائر، بل تحوّل إلى موسم تجاري واجتماعي متكامل، تبعث فيه المهن التقليدية والحرف الصغيرة من جديد، وتخلق من خلاله الأسواق المحلية فضاء للنشاط والتعاون بين مختلف فئات المجتمع.




