ضـرورة تحصين الأجيال الجديــدة ضـد خطابـات الكراهيــة والانقسـام
احتضن مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران، ندوة علمية بعنوان: «رجال الفضائل والجود: التسامح والعيش المشترك بسلام في التجارب الروحية»، وذلك إحياء للطبعة التاسعة لليوم الدولي للعيش معا في سلام.
الندوة التي نظّمت بالتنسيق مع كرسي اليونسكو الأمير عبد القادر لحقوق الإنسان وثقافة السلام، شكلت فضاءً للحوار والتأمل في القيم الإنسانية الجامعة، من خلال استحضار فكر الأمير عبد القادر والقديس أوغسطين، بوصفهما نموذجين روحيين وفلسفيين أسهما في ترسيخ ثقافة التسامح والانفتاح والتعايش بين الشعوب والأديان.
وشهد اللقاء حضور شخصيات دينية وفكرية وأكاديمية بارزة، يتقدمهم شيخ الطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذلية وصاحب مبادرة اليوم الدولي للعيش معا في سلام الشيخ خالد عدلان بن تونس، إلى جانب رئيس أساقفة الجزائر الكاردينال جون بول فيسكو، إضافة إلى ثلة من الباحثين والأساتذة والخبراء المهتمين بقضايا الحوار الإنساني وثقافة السلام.
وناقش المتدخلون خلال هذه الحلقة الموسومة «رجال الفضائل والجود: التسامح والعيش المشترك بسلام في التجارب الروحية»، الكيفية التي يعيد بها التصوف، في السياقين الإسلامي والمسيحي، تعريف العلاقة مع الآخر داخل المجتمع، انطلاقا من سؤال محوري مفاده: هل يشكل التصوف مجرد خطاب أخلاقي حول التسامح، أم أنه ينتج نمطا خاصا من إدارة الاختلاف يتحول إلى ممارسات فعلية للعيش المشترك بسلام؟ كما انطلقت النقاشات من فرضية مفادها أن التصوّف لا يختزل التسامح في مجرد تحمّل الاختلاف، بل يؤسسه كعلاقة وجودية وأخلاقية مع الآخر، تنعكس اجتماعيا في أشكال متعدّدة من التعايش والانسجام الإنساني.
وتوزّعت أشغال الجلسة العلمية على عدة مداخلات قاربت موضوع التسامح من زوايا فلسفية ودينية وأنثروبولوجية، حيث تناول الأستاذ بن مرزقان بن شرقي صورة «الجميل والملائم في تصور القديس أوغسطين»، بينما تطرّق الأستاذ محمد حريش بغداد إلى «مفهوم التسامح واللاتسامح في فكر القديس أوغسطين».
كما ناقش الأستاذ زبير عروس «قيم ثقافة التسامح ومتطلبات العيش المشترك»، في حين استعرض الأستاذ عصام طوابي الثعالبي «تجربة رواد الحوار الديني في الجزائر»، وعلى رأسهم الأمير عبد القادر والشيخ أحمد العلوي، باعتبارهما نموذجين لتكريس ثقافة السلام والتقارب الإنساني.
وأكدت المداخلات أن التجارب الروحية، سواء في بعدها الصوفي أو المسيحي، قادرة على بناء جسور التفاهم بين البشر، لأنها تؤسس لعلاقة قائمة على المحبة والكرم والاعتراف بالآخر، بعيدا عن منطق الإقصاء والصراع.
كما أبرزت النقاشات، أن الجزائر تمتلك رصيدا تاريخيا وثقافيا غنيا في مجال التعايش والحوار الديني، يمكن استثماره في تعزيز ثقافة السلام داخل المجتمع المعاصر.
واختتمت الندوة بالتأكيد على ضرورة تحويل هذه الرؤى الفكرية والروحية إلى ممارسات مجتمعية ومبادرات ثقافية وتربوية، تساهم في نشر قيم التسامح والتضامن، وتحصين الأجيال الجديدة من خطابات الكراهية والانقسام، بما يعزّز صورة الجزائر كفضاء للتعايش والتنوّع والانفتاح الحضاري.







