لم ينظر الفيلسوف إدغار موران إلى الفن باعتباره ترفا ثقافيا أو نشاطا جماليا هامشيا يضاف إلى الحياة من خارجها، لأنه تعامل مع على الدوام باعتباره ضرورة وجودية لا تقل أهمية عن المعرفة والعلم، فالفن ليس وسيلة للترفيه بقدر ما هو أداة لفهم الإنسان والعالم، ووسيلة لمقاومة القسوة التي تفرضها الحياة الحديثة على الأفراد.
من عمق مشروعه الفكري المعروف بـ«فكر التعقيد”، حاول موران أن يفسر العلاقة العميقة التي تربط الإنسان بالجمال، معتبرا أن العمل الفني يفتح أمام الإنسان نافذة لفهم ذاته وفهم الآخرين، ويمنحه القدرة على تجاوز الانغلاق داخل التجربة الفردية الضيقة نحو إدراك أوسع للشرط الإنساني المشترك.
الفن مضاد للاغتراب..
لم تولد رؤية موران للفن من تأملات نظرية مجردة، وإنما تشكلت داخل تجربة شخصية مؤلمة، فقد عرف منذ طفولته معنى الفقد والوحدة، وعاش صدمة الموت واليتم، الأمر الذي جعله يبحث عن منافذ رمزية تخفف وطأة الواقع، وفي هذا الواقع الصعب، اكتشف الأدب والسينما والموسيقى باعتبارها فضاءات تسمح للإنسان بأن يواجه آلامه لا أن يهرب منها.. كان الفن بالنسبة إلى موران شكلا من أشكال المقاومة الهادئة، فالإنسان لا يستطيع أن يتحمل الواقع الخام في كل لحظاته، لذلك يحتاج إلى وسيط يمنحه القدرة على إعادة تأويل معاناته، ومن هنا تنبع أهمية الأعمال الأدبية والفنية الكبرى؛ فهي لا تلغي الألم ولا تخفيه، إنما تمنحه معنى.
لقد وجد موران في روايات دوستويفسكي قدرة استثنائية على كشف أعماق النفس البشرية، كما لمس في موسيقى بيتهوفن طاقة روحية تمنح الإنسان القوة لمواصلة العيش رغم الإخفاقات والمحن، وهكذا يصبح الفن وسيلة للعودة إلى الواقع بوعي أعمق، لا وسيلة للفرار منه.
الجمال بين العقل والعاطفة
يرفض موران الفصل التقليدي بين العقل والشعور في التجربة الجمالية، فالعاطفة الفنية، في نظره، لا تنتمي بالكامل إلى عالم الانفعالات، كما أنها ليست نتاجا للعقل الخالص.. إنها حالة مركبة يلتقي فيها الوجدان بالفكر، والإلهام بالتأمل، واللاوعي بالوعي؛ ولهذا السبب، يحتفظ العمل الفني العظيم بقدرته على التأثير عبر الزمن؛ فهو يخاطب الإنسان في كليته، وليس في جانب واحد من شخصيته، فعندما نتأثر بلوحة فنية أو مقطوعة موسيقية أو رواية عظيمة، فإننا لا نمارس فعلا ذهنيا مجردا، إنما نعيش تجربة وجودية كاملة تنخرط فيها الذاكرة والخيال والعاطفة والمعرفة في آن واحد.
ويرى موران أن التجربة الجمالية تمنح الإنسان لحظات نادرة من الامتلاء الداخلي، وتخلق نوعا من البهجة العميقة التي تساعده على مواجهة ما يسميه “الثقوب السوداء” في الحياة المعاصرة؛ أي لحظات القلق والخوف والعزلة واللايقين.
شاشة الغيرية.. السينما مدرسة التسامح
تحتل السينما مكانة خاصة في فكر إدغار موران؛ لأنها تمثل بالنسبة إليه مدرسة لتعلم “الغيرية”، أي القدرة على فهم الآخرين والاعتراف بتعقيدهم الإنساني، فالإنسان في الحياة اليومية يميل إلى اختزال الآخرين في صور نمطية وأحكام جاهزة، لكن الفن، والسينما على وجه الخصوص، يجبره على تجاوز هذه الاختزالات، فالمتفرج يجد نفسه متعاطفا مع شخصيات قد يرفضها أخلاقيا في الواقع، أو متفهما لأشخاص كان سيصدر بحقهم أحكاما قاسية لو التقاهم خارج الشاشة.
هذه القدرة على التقمص، تجعل السينما أداة تربوية فريدة، فهي لا تعلم المعلومات بقدر ما تعلم الفهم، ومن خلال القصص والشخصيات والصراعات الإنسانية، يتعلم الفرد أن الإنسان لا يمكن اختزاله في صفة واحدة أو موقف واحد، بحكم أنه كائن معقد ومتناقض يحمل داخله الخير والشر، القوة والضعف، النبل والأنانية في الوقت نفسه؛ لهذا اعتبر موران أن السينما لا يمكن أن تكون صناعة ترفيهية، فهي مختبر إنساني يساعد على بناء ثقافة التسامح والانفتاح.
ويستعير موران تمييزا بليغا بين ما يسميه “نثر الحياة” و«شعر الحياة”، فالنثر هو عالم الضرورات اليومية: العمل، والواجبات، والروتين، والحسابات، وكل ما يجعل الوجود يسير وفق إيقاع متكرر ومألوف، أما الشعر فهو تلك اللحظات الاستثنائية التي يشعر فيها الإنسان بأنه يعيش بكامل طاقته الوجدانية والروحية، وهي اللحظات التي يمنحها الفن والحب والصداقة والتأمل والجمال.
في هذا السياق، يصبح الفنان شخصية ذات وظيفة تتجاوز إنتاج الأعمال الفنية.. إنه أشبه بمرشد روحي حديث يعيد للإنسان صلته بالمشاعر العميقة التي تكاد تضيع وسط صخب الحياة اليومية؛ ذلك أن الفنان لا ينقل معلومات أو أفكارا فقط، إنما ينقل حالات وجدانية وتجارب إنسانية تجعل الآخرين أكثر حساسية تجاه أنفسهم والعالم من حولهم.
ومن هنا تنبع أهمية الفن في مواجهة الخوف من الموت والعدم؛ فهو لا يمنح الإنسان الخلود، لكنه يمنحه معنى للحياة، والمعنى هو الشرط الأول لاحتمال الفناء.
بلاغة الرواية.. استعادة الإنسان
ضمن نقده للمعرفة المعاصرة، يلاحظ موران أن التخصص المفرط أدى إلى تجزئة فهم الإنسان والعالم، فكل علم يدرس جزءا صغيرا من الواقع، وتضيع الصورة الكلية في زحمة التفاصيل، وهذا يمنح الرواية مكانة استثنائية، لأنها قادرة على جمع ما تفرقه العلوم والتخصصات، فالرواية لا تدرس الإنسان من زاوية واحدة، إنما تقدمه في شبكة معقدة من العلاقات النفسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية.
داخل العمل الروائي – يقول موران – تلتقي الفلسفة علم النفس، ويلتقي التاريخ بالسياسة، وتتجاور الأسئلة الأخلاقية مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك يرى أن الرواية تظل واحدة من أكثر الأشكال المعرفية قدرة على تمثيل تعقيد العالم الإنساني، فهي تقدم رؤية كلية للحياة تجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم ذاته ومجتمعه ومصيره.
الجمال.. ضرورة تربوية
ينتهي موران إلى نتيجة تبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: لا يمكن بناء إنسان متوازن من دون تربية جمالية حقيقية، فالتعليم الذي يكتفي بتلقين المعارف التقنية والعلمية يظل ناقصا إذا لم يفسح مكانا للفنون والآداب والموسيقى والجمال، ذلك أن الجمال ليس ترفا إضافيا يمكن الاستغناء عنه عند الأزمات، لكنه واحد من الشروط الأساسية للحياة الإنسانية نفسها.. إنه ما يسمح للإنسان بأن يحافظ على حساسيته وقدرته على الدهشة والتعاطف في عالم يتجه باستمرار نحو السرعة والبرودة والتشييء، ولهذا يدعو موران إلى جعل التربية الجمالية جزءا أصيلا من المناهج التعليمية، باعتبارها تدريبا على فن العيش نفسه، فالفن، في النهاية، ليس مشاهدة لوحة أو قراءة رواية أو الاستماع إلى مقطوعة موسيقية، إنما هو طريقة لفهم الوجود، ومصدر للطاقة الروحية التي تمكن الإنسان من مواجهة العالم دون أن يفقد إنسانيته.
وفي زمن تتزايد فيه أشكال القلق والعزلة والاغتراب، تبدو رسالة موران أكثر راهنية ذلك أن الإنسان لا يعيش بالمعرفة وحدها، لأنه يحتاج إلى الجمال، بحكم أنه هو ما يحول الحياة من بقاء لأجل البقاء، إلى تجربة تستحق أن تعاش.




