الدفع بـ«الكف”.. ماسح ضوئي ينهي عصر البطاقات وكلمات السر..
العملات السيادية المبرمجة.. أداة فائقة للسيطرة ومنع هدر الدعم
يعيش العالم قفزة تكنولوجية غير مسبوقة تتجاوز مجرّد الاعتماد على شبكة الإنترنت التقليدية، بعد أن فسح التاريخ المجال لمرحلة اندماج كامل وشامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية الفائقة، التي توطّنت في أدق تفاصيل الحياة اليومية، ولم تعد هذه التقنيات أدوات مساعدة ولا كماليات، بعد أن رسّخت لوجودها كعصب أساسي يُسيّر المعاملات، وينظم الأنشطة، ويعيد تشكيل أسلوب الحياة عبر أتمتة الخدمات وتقديم حلول ذكية وفورية للتحديات اليومية.
في سياق تقني متسارع، تبرز الكثير من النماذج عبر العالم كمختبرات مفتوحة لتجسيد التحوّلات على أرض الواقع، ووفقا لأحدث التقارير الميدانية، تبنّت بعض الدول استراتيجيات رقمية طموحة في تبني التكنولوجيا الفائقة، فقد وضعت نفسها في مقدمة القوى الرقمية الناشئة التي لا تكتفي باستهلاك التكنولوجيا، إنما تحرص على تطويعها لبناء بيئة متكاملة تدار بالكامل عبر الأنظمة الذكية.
وتتجلّى أهمية هذه التجارب الفريدة في تطبيق مفهوم “دولة الذكاء الاصطناعي الكامل” الذي يتجاوز الرقمنة السطحية إلى إعادة صياغة جذرية لطبيعة العلاقة الديناميكية بين المواطن والتكنولوجيا والسلطات، إذ تتحول الحكومة إلى كيان تفاعلي فائق الكفاءة، ويصبح المواطن محورا لخدمات استباقية تلبّي احتياجاته تلقائيا، ما يؤسّس لمفهوم جديد للحوكمة الرقمية والسيادة التكنولوجية.
تقنيات الدفع عبر الهوية البيومترية
لعلّ أبرز تحول يعيشه العالم الرقمي، هو الدفع عبر “كف اليد” الذي انتقل من روايات الخيال العلمي إلى الواقع المعيشي، ليعيد تشكيل قطاع التجزئة والمعاملات اليومية، إذ لم يعد المستهلك بحاجة إلى حمل محفظته التقليدية، ولا بطاقاته البنكية، ولا حتى هاتفه الذكي لإتمام عمليات الشراء في المحلات التجارية؛ فقد صار كافيا أن يضع الزبون كفّه فوق ماسح ضوئي متطور يعمل بالأشعة تحت الحمراء، ليقوم هذا الجهاز بمسح وتحليل خريطة الأوردة وخطوط اليد الفريدة التي لا تتطابق بين اثنين من البشر، فيتعرّف على صاحب الكفّ في أجزاء من الثانية ويعالج العملية المالية بأمان فائق.
ويعتمد هذا النظام المتطور على تشفير الخصائص الحيوية للمستخدم وربطها مباشرة بحسابه المصرفي المقيّد لدى الشبكة المالية، وبمجرّد قراءة البصمة، يتم خصم القيمة المطلوبة تلقائيا، وبشكل فوري، دون الحاجة لتأكيد إضافي عبر كلمة مرور أو رمز مؤقّت، ما يقلّل زمن الانتظار عند صناديق الدفع إلى حده الأدنى، وتضمن هذه الآلية حماية الهوية المالية للمستخدم؛ إذ يصعب تزوير الخصائص البيولوجية الداخلية للكف مقارنة بالبطاقات البلاستيكية أو الهواتف المعرّضة للسرقة والاختراق الرقمي.
ولا يتوقّف الأمر عند حدود المدفوعات، فالتقنية الحيوية تتكامل مع منظومة التطبيقات الحكومية الموحّدة (مثل تطبيق Kaspi أو Freedom SuperApp)، وهذه تطبيقات تدمج المنصّات الرقمية الشاملة.. الهوية الوطنية، رخصة القيادة، الوثائق الرسمية للمواطن في قاعدة بيانات واحدة متّصلة بالسلطات المعنية، ويتيح هذا الترابط للمستخدم إثبات هويته، وتوقيع المعاملات القانونية، وإجراء عمليات الشراء والتحقّق بشكل متزامن، ما يمهّد الطريق لبيئة رقمية متكاملة تلغي تماما الحاجة إلى الوثائق الورقية في الحياة اليومية.
تطبيقات الامتياز..
تتّجه التكنولوجيا الحديثة المتسارعة نحو تغيير جذري في نمط تقديم الخدمات، وذلك عبر الاعتماد المتزايد على ما يُعرف بـ«التطبيقات الفائقة” (SuperApps)، إذ لم تعد هذه المنصّات الرقمية الشاملة أدوات لتسهيل المعاملات المالية أو الدفع الإلكتروني فقط؛ لأنها تحوّلت إلى أنظمة بيئية متكاملة تبتلع خدمات قطاعات حيوية متعدّدة في واجهة مستخدم واحدة، بهدف توفير تجربة سلسة تلغي الحاجة للتنقل بين تطبيقات متعدّدة لإنجاز المهام اليومية.
في هذا السياق، يبرز قطاع الصّحة كأحد أهم المحاور التي استوعبتها التطبيقات الفائقة عبر قسم مخصّص يحمل اسم “صحة المواطن”، وهو قسم يتيح ربط الملفات الطبية الشاملة والتاريخ الصّحي لجميع المواطنين بخوارزميات ذكاء اصطناعي متطورة؛ بقصد تسهيل الرعاية الصحية الفورية، وتسريع التشخيص، إلى جانب “مكافحة الاحتيال” في وصف الأدوية أو المطالبات التأمينية، ما يمنح الحكومات والشركات المطورة لهذه المنصّات وصولا شاملا وغير مسبوق للبيانات الحيوية الحساسة للأفراد.
ولا يتوقف التطور عند رقابة البيانات الحيوية، إنما يمتد إلى الثورة النقدية عبر تطوير العملات الرقمية الرسمية للبنوك المركزية، والتي تتجاوز فكرة العملات المشفّرة اللامركزية لتطرح نموذج العملات السيادية القابلة للبرمجة (Programmable Money)، على غرار العملة الرقمية الكازاخية (Digital Tenge)، وتتيح هذه التقنية للحكومات قدرة فائقة على “برمجة ومراقبة” النفقات العامة والمساعدات الاجتماعية بدقة متناهية، وهو ما يضمن وصول الدعم لمستحقيه الفعليين ومنع هدره، كما يمنح السلطات – في الوقت ذاته – أداة سيطرة غير مسبوقة تتيح لها التحكّم المباشر في أوجه صرف الأموال وتحديد صلاحية استخدامها زمانيا ومكانيا.
أعوان الذكاء الاصطناعي
تشهد أروقة مراكز القرار التكنولوجي ومختبرات التطوير الحكومية عملا دؤوبا لصياغة عشرات النماذج المتقدمة من “أعوان الذكاء الاصطناعي” (AI Agents) المصمّمة خصيصا لإدارة وتسيير الخدمات العامة.
ولم تعد هذه الخوارزميات برمجيات مساعدة بعد أن نالت حظّها من التطور غير المسبوق، من أجل تولّي مهام سيادية بالغة الأهمية، تشمل إدارة الأزمات والعمليات الحكومية بشكل آلي وسريع، فضلا عن تحليل “التزام المواطنين”، كما تمتد صلاحيات هذه الأنظمة الذكية إلى تقييم واختيار الأشخاص الأكثر كفاءة لشغل المناصب الحيوية والحساسة عبر تحليل البيانات الضخمة (Big Data)، ما يمثل تحوّلا جذريا في حوكمة رقمية تدار بالكامل عبر الخوارزميات.
وعلى الرغم من أنّ مسؤولي التكنولوجيا ومطوّري هذه الأنظمة يدافعون عن هذه المنظومات الشاملة، التي باتت تضم في بعض الدول أكثر من 1300 خدمة رقمية، باعتبارها امتدادا لطموح النماذج الديمقراطية والشفافة مثل نموذج “إستونيا الرقمية”، إلا أنّ إسقاط هذا التطبيق على بيئات سياسية واجتماعية مختلفة يثير مخاوف حقوقية كبرى، وتكمن المعضلة الأساسية في غياب “صمّامات الأمان” التشريعية، ونقص آليات حماية البيانات اللامركزية، ما يفتح الباب أمام تحول هذه التقنيات من أدوات للرفاهية إلى وسائل اختراق جماعي.




