“العدالـة الثقافيـة” تقتضـي الدمــج الثقــافي لـــذوي الهمم
“المباغتة الإيجابيــة” في الترامـــواي تربـط الطفـــل بالواقــع
نعمــل علــى تطويـــع التكنولوجيــا لنجعلهــا في خدمـــة الكتــاب
سطرت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الجزائر، احتفاء باليوم العالمي للطفولة، برنامجا ثقافيا متنوعا، تضمن مبادرات مبتكرة بينها “قاطرة المعرفة” الموجهة للأطفال ذوي الهمم.. في هذا الحوار، يسلط مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية، الأستاذ عبد القادر جمعة، الضوء على دور الأنشطة الثقافية في تنمية وعي الطفل وإبداعه، وأهمية إدماج الأطفال ذوي الهمم في الفضاءات الثقافية، إلى جانب رؤيته لجعل الثقافة مشروعا مستداما يرافق الطفل على مدار السنة.
الشعب: بداية ..اسمحوا لي أستاذ أن أبدأ بسؤال عن وضعكم الصحي، خاصة بعد ما نشر عنكم في وسائط التواصل الاجتماعي، وهو ما أثار كثيرا من الأسئلة والتساؤلات حول صحتكم.. ٱمل أن لا يحمل هذا السؤال أي إحراج لكم.. مع تمنياتي المسبقة بموفور الصحة والعافية..
الأستاذ عبد القادر جمعة: شكرا جزيلا على اهتمامك الجميل بصحتي، وشكرا على السؤال الذي يمنحني – بصراحة – إمكانية توضيح الوضع لكل الأصدقاء الذين لم أتمكن من التواصل معهم بشكل شخصي.. بداية ينبغي أن أوضح أنني شخصيا من أشد المدافعين عن مساحات الخصوصية كحق لكل إنسان، أيّا كان وضعه أو منصبه.. مع احترامي الشديد والدائم لحرية الإعلام ولمهنة الصحافة.. وعليه أتفهم جيدا أن الشّخص المشتغل في الفضاء العام ملزم أحيانا بالتنازل عن جزء من خصوصيته لاعتبارات مرتبطة بنشاطه ووضعه المهني.. بالنسبة لوضعي الصحي، سأكتفي بالقول إنه “معقد” وحرج إلى حدّ ما.. وإنني مازلت في مرحلة التشخيص المعمق والمتقدم.. والخبر المفرح أن الوضعية مستقرة حاليا.. ونأمل أن تفضي التحاليل الحالية إلى تشخيص أكثر تفاؤلا من التشخيص الأول..
– شكرا لسعة صدركم أستاذ عبد القادر جمعة.. نبدأ من الكيفية التي تمكّن الأنشطة الثقافية الموجهة للأطفال من الإسهام في بناء جيل أكثر وعيا وانفتاحا وإبداعا.. ما رأيك؟
الطفولة هي المرحلة الحيوية الحسم في حياة الإنسان، والتي تتشكل فيها الملامح الأولى لشخصيته الفكرية والنفسية، ومن هنا فإن الأنشطة الثقافية ليست مجرد ترفيه أو وسيلة لملء الفراغ، بل هي حجر الأساس في عملية بناء المواطن الصالح والواعي.. عندما ينخرط الطفل في نشاط ثقافي منظم، نحن نوقظ في داخله ملكات التساؤل والنقد البناء، ونخرجه من دائرة التلقين الروتيني الجاف إلى آفاق التفكير الحر والمستقل.
هذه الأنشطة تمنح الطفل فرصة ذهبية للتعرف على عوالم جديدة وقيم إنسانية نبيلة مثل التسامح والتعاون وقبول الآخر، مما يساهم في صقل ذوقه العام وتوسيع مداركه الفكرية.
في عصرنا الحالي الذي تسيطر فيه الشاشات الرقمية والعزلة الافتراضية، تأتي الأنشطة الثقافية الميدانية لتعيد ربط الطفل بالواقع، وتمنحه أدوات التعبير عن مشاعره وأفكاره بثقة، وهذا بالتحديد هو المسار الفعلي لصناعة جيل مبدع ومبتكر، لا يكتفي باستهلاك المعرفة بل يسعى مستقبلا للمساهمة في إنتاجها وتطوير مجتمعه.
– ما أهمية تخصيص فضاءات للحكي والرسم والتعبير الإبداعي ضمن البرامج الموجهة للأطفال؟
تخصيص هذه الفضاءات يمثل ضرورة تربوية ونفسية قصوى، فالطفل لا يتعلم فقط بالقراءة الصامتة، بل يحتاج إلى وسائط تفاعلية تترجم الأفكار إلى حركية ومشاعر.. فضاءات الحكي أو ما يعرف بالقصص الشفهي والحكواتي، تلعب دورا جوهريا في إحياء الموروث الثقافي وتنمية مهارات الاستماع والتركيز، فضلا عن دورها الهائل في الإثراء اللغوي والبلاغي للطفل.
أما ورشات الرسم والفنون التشكيلية، فهي بمثابة لغة تعبيرية بديلة تتيح للطفل إخراج طاقاته الكامنة ومخاوفه وأحلامه التي قد يعجز لسانه عن صياغتها في كلمات، مما يحقق له توازنا نفسيا وعاطفيا كبيرا.
وحين نتيح له مساحات للتعبير الإبداعي الحر كالتمثيل المسرحي أو الإلقاء، فنحن نزرع فيه الشجاعة الأدبية ونبني لديه شخصية قيادية قادرة على مواجهة الجمهور والتواصل بذكاء. نحن نرى في هذه الفضاءات المتنوعة امتدادا طبيعيا للكتاب، فالكتاب يقدم الفكرة، وهذه الورشات تمنح الفكرة، الروح والتجسيد العملي.
– حملت إحدى المبادرات المبرمجة بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للطفولة عنوان “قاطرة المعرفة”، ما رمزية هذا المشروع وما الرسائل التي يسعى إلى إيصالها للأطفال؟
اختيار عنوان “قاطرة المعرفة” لم يكن وليد الصدفة، بل جاء محمّلا بدلالات رمزية عميقة صممت خصيصا لتلتصق بذهن الطفل وتحفز خياله.. القاطرة – في مفهومها العام – ترمز إلى الحركة المستمرة، التقدم، والقوة القائدة التي تجر خلفها بقية العربات بثبات نحو وجهة محددة، ومن هذا المنطلق أردنا إيصال رسالة مشفرة للطفل مفادها أن المعرفة والعلم هما المحرك الحقيقي والوحيد لحياتك، وهما القوة التي ستدفعك دائما نحو الأمام وتمنحك التميز والنجاح بين الأقران.
أما الرسائل المباشرة للمشروع فتتلخص في جعل الثقافة رفيقة الدرب، وتغيير المفهوم التقليدي الذي يربط القراءة بالواجب المدرسي الصارم أو بالمكتبات المغلقة، لنثبت للطفل أن المطالعة يمكن أن تكون ممارسة يومية ممتعة ومشوقة في أي وقت وفي أي مكان، حتى أثناء التنقل والسفر، مما يغرس في نفسه شغف التعلم الذاتي المستمر مدى الحياة.
– اختيار الترامواي كفضاء للنشاط الثقافي كان لافتا، كيف ساهم هذا الفضاء غير التقليدي في تقريب الكتاب من الطفل؟
إن التعامل مع الأجيال الجديدة يتطلب بالضرورة ابتكار أساليب غير تقليدية تتناسب مع وتيرة حياتهم السريعة وعلاقتهم بالتكنولوجيا.. لو استمرت المؤسسات الثقافية في انتظار أن يطرق الطفل أبوابها بصفة كلاسيكية، لخسرنا الرهان أمام جاذبية الألعاب الإلكترونية والعالم الرقمي، لذلك اعتمدنا استراتيجية المباغتة الإيجابية والخروج إلى الشارع، وكان الترامواي هو الفضاء المثالي لتطبيق هذه الفلسفة.
الترامواي يتميز بأنه بيئة حركية، زجاجية، وشفافة تمر يوميا عبر شرايين المدينة، وعندما يركب الطفل برفقة أولياء أمره، ويجد نفسه محاطا بالألوان الزاهية والكتب والمنشطين الثقافيين الذين يستقبلونه بابتسامة، يزول لديه أي حاجز نفسي أو رهبة تجاه الكتاب.
هذا الفضاء المفتوح والمتحرك كسر النمطية وأعطى للكتاب بعدا ترفيهيا محببا، ليتحول من مجرد وعاء للمعلومات الجافة إلى مفاجأة سارة ورفيق رحلة ممتع ينتظره على خط السكة الحديدية.
– خصصت المبادرة للأطفال ذوي الهمم، ما أهمية إدماج هذه الفئة في الأنشطة الثقافية خارج الفضاءات المعتادة؟
هذه الركيزة تمثل جوهر الرسالة الإنسانية والأخلاقية التي تتبناها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية، إن دمج الأطفال ذوي الهمم في الفضاءات العامة المفتوحة كقطارات الترامواي هو خطوة عملية وميدانية تتجاوز الشعارات النظرية نحو تحقيق العدالة الثقافية وتكافؤ الفرص.
هؤلاء الأطفال عانوا لسنوات طويلة من حصر نشاطاتهم وتفاعلاتهم داخل المراكز المتخصصة أو الغرف المغلقة، مما خلق فجوة وحاجزا غير مرئي بينهم وبين المجتمع. إن إخراجهم إلى فضاء حيوي يرتاده كل أطياف المجتمع يُسهم بشكل مباشر في صياغة وعي جمعي جديد يتقبل الاختلاف، ويوجه رسالة قوية للطفل ذي الهمة ولعائلته بأنه جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني والثقافي، وأن من حقه الكامل الاستمتاع بجمال المعرفة والفن في نفس الفضاءات التي يرتادها الجميع دون أي تمييز أو تهميش.
– ما أبرز المكاسب التي تحققها مثل هذه المبادرات في تعزيز ثقة الأطفال ذوي الهمم بأنفسهم وتشجيعهم على التفاعل مع محيطهم؟
المكاسب المحققة – في هذا الصدد – هي مكاسب نفسية وسلوكية واجتماعية لا تقدر بثمن، ويمكن للمشرفين والعائلات لمس أثرها بشكل فوري ومباشر.. أولى هذه المكاسب، كسر عزلة الطفل وتحطيم حاجز الخوف أو الرهاب الاجتماعي من مواجهة الغرباء، حيث تتيح له هذه الأنشطة الاختلاط الطبيعي والتلقائي مع ركاب الترامواي ومع أقرانه من الأطفال الآخرين.
ثانيا، تساهم هذه المبادرات في تعزيز تقدير الذات بشكل مذهل، فعندما يقوم الطفل ذو الهمة بإنجاز لوحة فنية أو تلخيص قصة أو التفاعل مع الحكواتي وسط إعجاب وتصفيق وتشجيع الحاضرين في العربة، يتولد لديه شعور عميق بالجدارة والقدرة على العطاء والإنجاز، وهذا الشعور بالنجاح ينعكس إيجابيا على مهاراته التواصلية واللفظية، ويمنحه الشجاعة النفسية للاندماج السلس والمستدام في محيطه الاجتماعي مستقبلا دون خوف أو خجل.
– كيف تنظرون إلى دور الشراكات بين المؤسسات الثقافية والهيئات العمومية في توسيع دائرة استفادة الأطفال من الأنشطة الثقافية؟
نحن ننظر إلى هذه الشراكات كاستراتيجية عمل لا غنى عنها، لأن الفعل الثقافي وبناء الوعي المجتمعي ليس حكرا على قطاع الثقافة وحده، بل هو مسؤولية تضامنية تتقاسمها كل مؤسسات الدولة والهيئات العمومية والاقتصادية، شراكتنا النموذجية مع مؤسسة “سيترام” تجسد هذا المفهوم بأبهى صورة.
المؤسسات الثقافية والمكتبات تمتلك الرصيد المعرفي، الخبرة البيداغوجية، الكفاءات البشرية المؤهلة، والكتب المتنوعة، في حين تمتلك الهيئات والشركات العمومية الفضاءات اللوجستية والقدرة على التعبئة والوصول إلى أعداد غفيرة من المواطنين بشكل يومي.
عندما تلتقي هذه العوامل وتتكامل الجهود، ننجح في إحداث قفزة نوعية في نشر الوعي، ونتمكن من تحويل المنشآت الخدمية الجافة إلى حواضن ثقافية دافئة تلعب دورا مجتمعيا رائدا يتجاوز وظيفتها التجارية أو الخدمية الأساسية.
– هل ترون أن الاحتفاء بالطفولة ينبغي أن يتحول إلى مشروع ثقافي مستدام يرافق الطفل على مدار السنة؟
بكل تأكيد، هذا هو الهدف الأسمى والرؤية التي نناضل من أجل تحقيقها وتثبيتها على أرض الواقع. الطفولة ليست مناسبة موسمية أو تاريخا عابرا في التقويم نحتفل به في يوم واحد من السنة عبر توزيع الهدايا والتقاط الصور ثم نطوي الصفحة حتى العام المقبل.
الوعي والإبداع وحب القراءة وشغف المعرفة هي سلوكيات وقيم لا تبنى بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى تراكم واستمرارية ومتابعة دؤوبة.
المهرجانات والمناسبات الكبرى مثل تظاهرة قراءة في احتفال أو اليوم العالمي للطفولة هي محطات ضرورية ومهمة لشحن الهمم، وتسليط الضوء الإعلامي وإطلاق الأفكار الجديدة، لكن القيمة الحقيقية والمكسب الفعلي يكمنان في تحويل هذه البرامج المبتكرة إلى مشاريع دورية ومستدامة ترافق الطفل في كل الفصول، خلال أيام الدراسة وفي العطل الصيفية، حتى تصبح الثقافة والمطالعة جزءا بنيويا وعادة راسخة في نموه اليومي وتكوينه الشخصي.
– ما أبرز المشاريع أو الرؤى التي تعمل عليها المكتبة مستقبلا لتعزيز حضور الطفل في الفضاء الثقافي وتشجيعه على القراءة؟
إن مكتبتنا تعمل وفق خطة استراتيجية مستقبلية طموحة تهدف إلى عصرنة آليات جذب الطفل نحو عالم المعرفة، وترتكز على محاور حديثة تواكب تطلعات الجيل الجديد.. من أبرز هذه المشاريع، تطوير وتوسيع تجربة المكتبة المتنقلة الذكية، من خلال تجهيز حافلات ثقافية عصرية تجوب الأحياء السكنية النائية والمناطق المعزولة لضمان وصول الكتاب إلى كل طفل محروم من هذه الخدمة.
كما نعمل حاليا على تأسيس نوادٍ تفاعلية دائمة داخل مقر المكتبة الرئيسية تشمل ورشات للروبوتات التعليمية، الحساب الذهني، وتلخيص الكتب باستخدام الوسائط الرقمية والشاشات التفاعلية، لإيماننا بضرورة تطويع التكنولوجيا لخدمة القراءة والورق وليس محاربتها. إضافة إلى ذلك، نسعى لتوسيع شراكاتنا المؤسساتية لنقل تجارب مماثلة لتجربة الترامواي الناجحة إلى فضاءات أخرى كقاعات الانتظار في مستشفيات الأطفال، والحدائق العامة الكبرى، ومحطات المسافرين، لتصبح المعرفة متاحة وقريبة من الطفل أينما حل وارتحل.







