اللّغـة البسيطـة والرّسائــل الواقعيــة مفتــاح التّأثــير فــي الهيئــة النّاخبـــة
النّاخــب الرّقمــي يفــرض قواعــد جديــدة علـى الحملــة الانتخابيـــــــــة
أكّد أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة باتنة، البروفيسور مراد ميلود، أنّ الاتصال السياسي يشكل العمود الفقري للحملات الانتخابية، ويعد من أهم العوامل التي تحدد مدى قدرة الأحزاب السياسية والقوائم الحرة على الوصول إلى الهيئة الناخبة وإقناعها ببرامجها ورؤاها، مشيرا إلى أن نجاح أي حملة انتخابية يرتبط بمدى نجاح استراتيجيتها الاتصالية، وقدرتها على التكيف مع خصوصيات المجتمع الجزائري بمختلف مكوناته.
أوضح الدكتور ميلود في تصريح لـ «الشعب»، أن الاتصال عامة يمثل عنصرا أساسيا في مختلف مناحي الحياة، غير أن الاتصال السياسي يكتسي أهمية أكبر خلال المواعيد الانتخابية، لأنه يشكل «شريان العملية الانتخابية»، ووسيلتها الرئيسية للتأثير في الرأي العام مثلما قال.
وأفاد محدّثنا أنّ الأحزاب السياسية والقوائم الحرة مطالبة بوضع استراتيجيات اتصالية دقيقة ومدروسة تراعي خصوصيات المجتمع الجزائري، وتنوعه الجغرافي، والثقافي، والاجتماعي، مشيرا إلى أن الجزائر بحكم اتساع رقعتها الجغرافية وثرائها الثقافي والاجتماعي، لا يمكن التعامل معها بخطاب انتخابي موحد أو بأسلوب اتصال واحد، إذ تختلف طبيعة الجمهور من منطقة إلى أخرى ومن فئة إلى أخرى، ما يفرض على المترشحين تكييف رسائلهم ووسائلهم الاتصالية وفق خصوصيات كل منطقة.
وأضاف ميلود أنّ الاتصال الموجه للشباب يختلف عن ذلك الموجه لكبار السن أو للمهنيين أو للطلبة، وهو ما يستدعي اختيار الوسيلة المناسبة والرسالة الملائمة لكل فئة مستهدفة، وأكّد أنّ الاتصال السياسي يمثل جزءا كبيرا من نجاح الحملة الانتخابية، لأنه يساهم في الوصول إلى أكبر عدد من أفراد الهيئة الناخبة واستمالتهم، داعيا الأحزاب والقوائم المشاركة في الانتخابات إلى تنظيم دورات تكوينية لفائدة مترشحيها قبل انطلاق الحملات الانتخابية، تشمل أسس الاتصال السياسي وآليات الإقناع وفنون التخاطب والإتيكيت واللياقة في التعامل مع المواطنين.
المصارحــــة والواقعيــــــة
وفي حديثه عن كيفية إعداد خطاب انتخابي قادر على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، أوضح ميلود أن الأمر يبدأ بوضع خطة واضحة للاتصال السياسي ضمن استراتيجية انتخابية شاملة، ترتكز على فهم احتياجات المواطنين وانشغالاتهم الحقيقية، وأكد أن الخطاب الانتخابي الناجح هو الذي يقوم على المصارحة والشفافية بين المترشح والناخب، بعيدا عن المبالغة أو الوعود غير الواقعية، موضّحا أن المواطن أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين الخطاب الصادق والخطاب الذي يفتقد للمصداقية.
وأضاف أنّ الخطاب الانتخابي لا ينبغي أن يقتصر على الكلمات أو التجمعات واللقاءات فقط، بل يجب أن يمتد إلى مختلف الوسائط الاتصالية الحديثة، من صور وفيديوهات ورسائل رقمية ومحتويات تفاعلية، مشيرا إلى أنّ صورة المترشح نفسها أصبحت جزءا من الخطاب السياسي، بما تعكسه من قيم وسلوكيات وقدرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن انشغالاتهم، كما شدّد على ضرورة تنويع الرسائل الانتخابية وتكييفها مع مراحل الحملة المختلفة، موضّحا أنّ الخطاب في بداية الحملة ليس هو نفسه في منتصفها أو نهايتها، الأمر الذي يفرض تجديد المضامين، وتطوير الرسائل بما يحافظ على اهتمام الجمهور ويعزز التفاعل معها.
اللّغــــة البسيطـــــــة مفتـاح الوصول
وفيما يتعلّق بدور اللغة في تعزيز فعالية الرسائل الانتخابية، أوضح الأستاذ ميلود أن بعض المترشّحين يلجأون إلى استعمال لغة معقدة أو إلى استعراض قدراتهم اللغوية، وهو ما قد يخلق مسافة بينهم وبين المواطنين بدل تقريبهم منهم.
وأكّد ميلود أن اللغة الانتخابية الناجحة هي اللغة البسيطة والواضحة التي تصل إلى مختلف فئات المجتمع دون تكلّف أو تصنع، مشيرا إلى أن المجتمع الجزائري يضم شرائح متفاوتة من حيث المستوى التعليمي والثقافي، ما يستوجب اعتماد لغة عربية سليمة ومهذّبة، بعيدة في الوقت نفسه عن التعقيد والمصطلحات النخبوية، وأضاف أن الاستعانة بالأمثلة القريبة من الواقع والمرتبطة بالحياة اليومية للمواطن تساعد على تبسيط الرسائل السياسية، وتجعلها أكثر قابلية للفهم والاستيعاب، لافتا إلى أن المواطن الجزائري أصبح أكثر اطلاعا بفضل الوسائط الرقمية، وأصبح قادرا على اكتشاف الخطاب المتكلف أو غير الصادق منذ اللحظات الأولى.
وسائـــل التّواصـــل الاجتماعـــي تغيّر قواعـد المنافســة
وأكّد ميلود أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تحولا كبيرا في طبيعة المنافسة الانتخابية، حيث أصبحت من أبرز الأدوات التي يعتمد عليها المترشحون للوصول إلى الناخبين والتفاعل معهم.
وأوضح أنّ هذه الوسائط تتميز بانخفاض تكلفتها وسرعة انتشارها، وقدرتها على الوصول إلى أعداد كبيرة من المواطنين في وقت وجيز، ما جعلها خيارا أساسيا خاصة بالنسبة للشباب المترشحين، الذين قد لا تتوفر لديهم الإمكانات المالية الكافية للاستفادة من الوسائل الإعلامية التقليدية المكلفة.
وأشار إلى أنّ المنصات الرقمية ساهمت في تقريب المترشحين من المواطنين، ومكّنت الناخب من الاطلاع على البرامج الانتخابية والسير الذاتية للمترشحين، ومتابعة أنشطتهم دون الحاجة إلى حضور اللقاءات الميدانية، وهو ما جعلها تلعب دورا متزايدا في تشكيل القناعات والاتجاهات السياسية.
وفي السياق ذاته، أكّد محدّثنا أنّ المنصات الرقمية أصبحت في كثير من الأحيان أكثر تأثيرا من التجمعات الميدانية التقليدية، موضحا أن أنماط التلقي والتفاعل تغيّرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
وقال إنّ «المواطن أصبح يعتمد بشكل متزايد على الهاتف الذكي والمنصات الرقمية للحصول على المعلومات ومتابعة الأحداث السياسية»، وهو ما جعل ما وصفه بـ «الرأي العام الافتراضي» يكتسب تأثيرا متناميا على الرأي العام الواقعي، وأضاف أن الوصول إلى أوسع شريحة من الجمهور عبر منصات مثل «فيسبوك» و»إنستغرام» و»تيك توك» وغيرها، أصبح عاملا مهما في تعزيز فرص المترشحين في إيصال رسائلهم، وتحقيق حضور قوي خلال الحملة الانتخابية.
الفيديوهــات القصـــــيرة.. فعّالــــة
وفي معرض حديثه عن المحتوى الرقمي، أوضح أستاذ الإعلام أن الفيديوهات القصيرة أصبحت من أكثر الأدوات فعالية في استقطاب الناخبين، بالنظر إلى طبيعة استهلاك المحتوى على المنصات الرقمية، وأكد أن القاعدة الأساسية في الإعلام الرقمي تقوم على تقديم أكبر قدر من المعلومات في أقل عدد ممكن من الكلمات، مشيرا إلى أن نجاح الفيديو القصير لا يرتبط بمدته الزمنية وحدها، إنما بقدرته على تقديم محتوى هادف ومركّز يحمل رسالة واضحة ومباشرة.
وأضاف أنّ المزج بين المحتوى المختصر والجاذبية البصرية يساهم في رفع نسب التفاعل، والوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، خاصة فئة الشباب التي تعد الأكثر حضورا على المنصات الرقمية.
المصداقيــــــة أســـاس التّأثـــــير
وبخصوص كيفية قياس نجاح الخطاب الانتخابي، عدّد أستاذ الإعلام عدة عوامل، بينها حجم التفاعل الذي تحققه الرسائل المنشورة عبر المنصات الرقمية، ومدى انتشارها ووصولها إلى الجمهور المستهدف، إضافة إلى صورة المترشح نفسه ومدى تمتعه بالثقة، والمصداقية، والكفاءة العلمية، والأخلاقية.
وأكّد أنّ اختيار الشخص الذي يحمل الرسالة السياسية لا يقل أهمية عن مضمون الرسالة ذاتها، لأن المرسل يشكل عاملا مؤثرا في بناء القناعة لدى الناخبين.وشدّد ميلود على أنّ الرسالة السياسية الأكثر تأثيرا هي تلك التي تنطلق من الواقع الحقيقي للمواطن، وتعبر عن انشغالاته وطموحاته، بعيدا عن الخطابات العامة والشعارات الفضفاضة، كما أكد على ضرورة توضيح مهام المنتخبين وصلاحياتهم بشكل صريح وشفاف، حتى لا تتسع الفجوة بين ما ينتظره المواطن وما يمكن للممثلين المنتخبين تحقيقه على أرض الواقع، معتبرا أن الصدق والوضوح والقرب من المواطن تبقى الركائز الأساسية لأي خطاب انتخابي قادر على كسب الثقة وتحقيق التأثير.






