فيلالي لـ « الشعب»: ثوابت السياسة الخارجية لا تلين
جمال لـ « الشعب»: وعي استراتيجي ومواقف نموذجية للعالم
لم يفوت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أي قمة لدول عدم الانحياز أو اجتماع متصل بها، ليؤكد تمسك الجزائر الثابت بمبادئ وأهداف حركة عدم الانحياز، وهو ما ذهب إليه الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة بتأكيده أن الجزائر «تظل متشبثة بمبدأ عدم الانحياز، وغيورة على استقلالها وقرارها السيد».
أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة عنابة البروفيسور عبد السلام فيلالي في تصريح خص به «الشعب»، «لافت هو تصريح رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة خلال استقباله قائد القوات البحرية الأمريكية بأوروبا وإفريقيا، وقائد القوات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، الذي أكد فيه أن الجزائر «وفي إطار سعيها الحثيث لتعزيز علاقات التعاون مع مختلف الدول، تظل متشبثة بمبدأ عدم الانحياز، وغيورة على استقرارها السيادي، وتنتظر من شركائها أن يقدروها ويحترموها». وأشار إلى أن «التصريح جاء في سياق التأكيد على ما تشهده العلاقات العسكرية الثنائية من حركية جديدة ومتصاعدة، خاصة منذ التوقيع على مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري خلال شهر جانفي 2025 بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية، والتي حددت منطلقها وأفقها «بناء شراكة استراتيجية، قائمة على الاحترام المتبادل، وبما يخدم المصالح المشتركة». وذكر أن «هذه الزيارة تندرج ضمن هذه الديناميكية، كما كان الحال حين زار قائد القيادة الأمريكية لإفريقيا «أفريكوم» يومي 27 و28 أفريل الفارط. وأيضا، دعما وترسيخا للتواصل المستمر وتبادل وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، وخاصة (مثلما أشار السيد رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي) فيما يخص المسائل ذات الطابع الأمني والاستراتيجي».
وأوضح أن «هذا التصريح ضمن سياق يؤكد على مبادئ أساسية توجه سياسة الجزائر الخارجية وعلاقاتها الثنائية»، من حيث «سعيها الحثيث لتعزيز علاقات التعاون مع مختلف الدول، وتشبثها بمبدأ عدم الانحياز، وغيرتها على استقلالها وقرارها السيادي»، التي وصفها السيد الفريق أول بـ «المقدسة».
وتكون هذه المبادئ معرِفا وموجها في أي مسار شراكة وتعاون تعقده الجزائر مع دول العالم، توافقا مع التضحيات الجسام التي قدمها الشعب الجزائري خلال مسيرة النضال والكفاح من أجل الحرية والاستقلال، «بأكثر من خمسة ملايين وستمائة وثلاثين ألفا، بما فيها مليون ونصف مليون من الشهداء بين سنتي 1954 و1962». وبرأيه، فإن «التصريح يذكر ويضع قواعد ثابتة، مؤسسة ومعروفة، للعقيدة الدبلوماسية والعسكرية الجزائرية التاريخية. ويحمل دلالات استراتيجية عميقة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة». وأفاد أن «هذه الإحالة إلى مبدأ «عدم الانحياز» كخيار استراتيجي تضع خطوطا عريضة لأي مسار تعاون جزائري، دبلوماسيا أو عسكريا، كانت الجزائر قد كرستها قبل وبعد الاستقلال مباشرة من خلال الوثائق المؤسسة (في ميثاق الجزائر لسنة 1964، الذي وجه إلى انتهاج سياسة عدم الانحياز والعمل على تدعيم القضايا العادلة ومساندة حركات الشعوب المناضلة في العالم أجمع، وفي مقررات قمة عدم الانحياز التي عقدت في الجزائر سنة 1973)».
وتحدث البروفيسور فيلالي عن «إرث تاريخي يظل عاملا وموجها لمبدأ «عدم الانحياز»، وإطارا يحدد ثابتا من ثوابت السياسة الخارجية للجزائر فيما يتعلق برفض الدخول في سياسة الأحلاف أو الاستقطاب الدولي. ومن ثم، إعادة التأكيد على استقلالية القرار الوطني للجزائر، على خلفية الوضع الدولي القائم والتحولات الكبيرة التي يشهدها العالم».
وفي الوقت نفسه، ثمة إحاطة تأتي من هذا التصريح ـ وفق ما يؤكد ذات المتحدث ـ»وهي أن الجزائر، وضمن ما يفرضه ميزان العلاقات الدولية، تبني علاقاتها وفق قيم «التقدير والاحترام المتبادل» والندية في الشراكة»، مثلما أفرد السيد الفريق قائلا إن الجزائر «تنتظر من شركائها أن يقدروها ويحترموها، فهذه قاعدة وازنة تجلب الاحترام وتكرس تعاملا يقوم على المصالح المتبادلة، أي بلا أي إملاء أو ضغوط أو تدخل في شؤون بلادنا الداخلية.» وخلص إلى أنها « دعوة صريحة وواثقة لمختلف الشركاء الدوليين بأن الجزائر تؤكد على وجاهة خياراتها وفق مبادئها، من سياستها الخارجية، والأعراف والمواثيق الدولية، وبأهمية مراعاة المصالح الحيوية للجزائر، ثقة منطلقها إدراك الدولة الجزائرية مكانتها وحجمها الجيوسياسي وثقلها الإقليمي، في ظل معادلة تفعل ثنائيات «السلام والتعاون» مع الشركاء، و»الحزم والصرامة» حين يتعلق الأمر بحماية السيادة الوطنية والقرار السيادي المستقل».
وعي استراتيجي
من جهته، يؤكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قالمة الدكتور محمد الصالح جمال أن تصريح الفريق أول السعيد شنقريحة حول تمسك الجزائر بمبدأ عدم الانحياز وحرصها على استقرارها وسيادتها، يمكن قراءته باعتباره رسالة استراتيجية تعكس ثبات أحد أهم المرتكزات التي قامت عليها السياسة الخارجية الجزائرية منذ الاستقلال، ولكن بصيغة تتلاءم مع التحولات الجيوسياسية المعقدة التي يشهدها العالم اليوم». وأفاد في السياق، أنه «في ظل تصاعد التوترات الدولية وتزايد الاستقطاب بين القوى الكبرى، يكتسب هذا المبدأ أهمية أكبر بالنسبة للجزائر التي تسعى إلى بناء علاقات متوازنة ومتنوعة مع مختلف الشركاء الدوليين دون الدخول في منطق التبعية أو الارتهان لأي طرف». ومن هذا المنطلق، فإن «تأكيد رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي على هذا الخيار يعكس وعيا استراتيجيا بأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها الدفاعية والأمنية، بقدر ما تقاس أيضاً بقدرتها على حماية استقلال قرارها السياسي والدبلوماسي».
ويحمل تصريح رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي دلالات عميقة ترتبط بالبيئة الإقليمية المحيطة التي تشهد تحديات أمنية متزايدة وأزمات ممتدة في عدد من المناطق المجاورة، فالاستقرار بالنسبة للجزائر ليس مجرد هدف داخلي، بقدر ما هو أيضا شرط أساسي لمواصلة مسار التنمية الاقتصادية وتعزيز الحضور الإقليمي والدولي للجزائر»، ولذلك فإن «الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية الاستقرار يمثلان جزءا من رؤية شاملة تقوم على الربط بين الأمن والتنمية والدبلوماسية».


