رفع كفاءة الإدارة ودعم تنافسية الاقتصاد الوطني
خطوة إستراتيجية لتحديث الإدارة العمومية..جودة الخدمات وتبسيط الإجراءات
ثمّن الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي ما تضمنه اجتماع مجلس الوزراء من توجيهات تقضي بتسريع مسار الرقمنة وإطلاق البوابة الوطنية للخدمات الرقمية، معتبراً أنها تمثل خطوة استراتيجية لتحديث الإدارة العمومية، وتحسين جودة الخدمات، وتبسيط الإجراءات، وترشيد النفقات، وتعزيز الشفافية. كما أشاد بمشروع الخريطة الوطنية الاجتماعية، التي ستسهم في تحسين توجيه الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه، بما يعزز العدالة الاجتماعية.
أكد قاشي، في تصريح لـ«الشعب”، أن إطلاق البوابة الوطنية للخدمات الرقمية يشكل محطة استراتيجية تتجاوز تحديث وسائل الإدارة العمومية، ليرسخ نموذجاً جديداً للعلاقة بين الدولة والمواطن والمتعامل الاقتصادي، يقوم على الفعالية والشفافية وجودة الخدمة.
وأوضح أن هذه المنصة، التي ستعمل كشباك رقمي موحد للخدمات العمومية الموجهة للأفراد والمؤسسات، تأتي في سياق عالمي يشهد تسارعاً غير مسبوق في التحول الرقمي، مشيراً إلى أن السلطات أعلنت خلال سنة 2026 نجاح التجارب الميدانية للمنصة الوطنية “دزاير ديجيتال سارفيس”، واقتراب دخولها مرحلة الاستغلال الفعلي بعد استكمال اختبارات التطوير والأمن السيبراني.
وأشار إلى أن الرقمنة ستسهم، من الناحية الاقتصادية، في تقليص النفقات العمومية، من خلال الحد من الاعتماد على الوثائق الورقية والأرشيف التقليدي، وتخفيض تكاليف التنقل والإجراءات الإدارية المتكررة. وأضاف أن الدراسات الدولية الخاصة بالحكومة الإلكترونية تشير إلى أن التحول الرقمي يسمح بتقليص زمن معالجة الملفات الإدارية بنسبة قد تتجاوز 50 بالمائة في العديد من التجارب، فضلاً عن تخفيض تكاليف الطباعة والحفظ والمراسلات الورقية، وترشيد استخدام الموارد البشرية في المهام الروتينية.
وأضاف أن توحيد قواعد البيانات وربط الإدارات فيما بينها يقلص الازدواجية في الإنفاق، ويرفع كفاءة استغلال الموارد العمومية، بما ينعكس إيجاباً على سرعة اتخاذ القرار وتحسين جودة الخدمات العمومية، في إطار إدارة أكثر شفافية وفعالية.
وأكد أن هذه الخطوة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للجزائر، التي تعمل على ترشيد النفقات العمومية وتحسين فعالية الإنفاق الحكومي في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة، موضحاً أن كل دقيقة يتم اختصارها في معالجة الملفات الإدارية تنعكس مباشرة على رفع الإنتاجية وتحسين مستوى الخدمة العمومية.
وأضاف أن الانتقال التدريجي نحو الإدارة الرقمية يقلص الحاجة إلى إنشاء هياكل استقبال إضافية، ويخفض التكاليف التشغيلية المرتبطة بها، وهو ما ينعكس إيجاباً على ميزانية الدولة على المديين المتوسط والبعيد، كما يعزز ثقة المواطن في المرفق العمومي، من خلال تسريع معالجة الملفات وتحسين جودة الخدمات.
تحســــين منـــاخ الأعمـال
وفيما يتعلق بمناخ الأعمال، أوضح قاشي أن البوابة الوطنية للخدمات الرقمية مرشحة لأن تصبح إحدى أهم أدوات تعزيز جاذبية الجزائر للاستثمار، باعتبار أن المستثمر المحلي أو الأجنبي يقيم تنافسية الدول وفق سرعة الإجراءات الإدارية وسهولة الحصول على التراخيص والوثائق والخدمات العمومية، إلى جانب حجم السوق والإمكانات الاقتصادية.
وأشار إلى أن تمكين المستثمر من إنشاء مؤسسته، واستخراج الوثائق، ومتابعة ملفه الاستثماري عبر منصة رقمية موحدة، يختصر الوقت ويخفض تكاليف الاستثمار، كما يرسخ الشفافية ويحد من البيروقراطية، الأمر الذي يسهم في تحسين مناخ الأعمال واستقطاب مزيد من الاستثمارات.
ولفت إلى أن المؤشرات الدولية تؤكد وجود علاقة مباشرة بين تطور الرقمنة الإدارية وتحسن مؤشرات سهولة الأعمال وجاذبية الاستثمار، مبرزاً أن تقرير الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية لسنة 2024 سجل استمرار التحسن العالمي في مؤشرات التحول الرقمي، حيث انخفضت نسبة السكان غير المستفيدين من خدمات الحكومة الرقمية من 45 بالمائة سنة 2022 إلى 22.4 بالمائة سنة 2024، وهو ما يعكس الدور المتزايد للرقمنة في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز كفاءة المؤسسات العمومية.
وأضاف أن رقمنة الخدمات العمومية تسهم في خلق بيئة أعمال أكثر تنافسية، من خلال تقليص العراقيل الإدارية التي كانت تثقل كاهل المؤسسات الاقتصادية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، بما يسمح بتوجيه الوقت والموارد نحو الإنتاج والتسويق والابتكار، وهو ما يرفع إنتاجية الاقتصاد الوطني ويعزز مساهمة القطاع الخاص في النمو.
تعزيــــز الشفافيــــة والحوكمـــــة
وأكد قاشي أن من أبرز المكاسب المنتظرة من البوابة الوطنية للخدمات الرقمية تعزيز الشفافية والحوكمة، باعتبار أن الخدمات الرقمية تترك أثراً إلكترونياً لكل عملية أو قرار إداري، وهو ما يسهل عمليات التتبع والرقابة مقارنة بالإجراءات التقليدية.
وأضاف أن تحديد آجال معالجة الملفات إلكترونياً يتيح للمواطن والمستثمر متابعة وضعية ملفاتهم بصورة مباشرة، ويقلص هامش التدخلات غير المبررة.
وأشار إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الرقمنة تعد من أكثر الوسائل فعالية في تعزيز النزاهة، لأنها تقلل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن، وتحد من السلطة التقديرية غير المبررة في معالجة الملفات، كما توفر قواعد بيانات وإحصاءات دقيقة تساعد صناع القرار على تقييم الأداء العمومي واتخاذ القرارات استناداً إلى مؤشرات موضوعية وموثوقة.



