التزام برفع انشغالات المواطنين إلى قبة البرلمان
يفصل يوم واحد فقط عن اختتام الحملة الانتخابية الخاصة بتشريعيات الثاني من جويلية المقبل، لتدخل بعدها البلاد مرحلة الصمت الانتخابي التي تدوم ثلاثة أيام، قبل أن يتوجّه المواطنون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في المجلس الشعبي الوطني بكل حرية ومسؤولية. وشهدت الحملة تنافسا سياسيا مكثفا بين مترشّحي الأحزاب السياسية والقوائم الحرّة، في أجواء اتسمت بحيوية النقاش وتنوّع الرؤى والبرامج، بما يعكس تطورا ملحوظا في الممارسة الديمقراطية ونضجا متزايدا في الخطاب الانتخابي.
حرص المترشّحون، منذ انطلاق الحملة، على عرض برامج انتخابية متنوّعة لامست مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، بما يتيح للناخب الاطّلاع على تصورات متعدّدة تستجيب لانتظاراته وتطلّعاته. ومع اقتراب الحملة من نهايتها، اتجه الخطاب الانتخابي نحو مزيد من الواقعية والمسؤولية، وركّز على تقديم التزامات قابلة للتجسيد، مع وضع المواطن في صلب الأولويات التنموية، باعتباره شريكا أساسيا في مسار البناء الوطني، وصاحب دور محوري في صناعة القرار عبر المشاركة الفاعلة في هذا الاستحقاق.
وتجلّت هذه المقاربة في طرح برامج تنموية شاملة أولت اهتماما بتكريس التنمية في مختلف مناطق الوطن، من خلال دعم الجماعات المحلية، وتثمين المؤهّلات الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار، والاهتمام بالمناطق الحدودية والنائية، بما يعزّز التنمية المتوازنة ويستجيب لانشغالات المواطنين عبر مختلف الولايات.
وأكّد المترشّحون، في مختلف لقاءاتهم الجوارية وتجمّعاتهم الشعبية، التزامهم بالعمل على نقل انشغالات المواطنين والدفاع عنها داخل المجلس الشعبي الوطني، في حال نيلهم ثقة الهيئة الناخبة، انطلاقا من قناعة مفادها أنّ النائب يمثل حلقة الوصل بين المواطن والمؤسّسات، ويتحمل مسؤولية التعبير عن تطلّعات المجتمع والمساهمة في صياغة الحلول التشريعية التي تستجيب لمتطلبات المرحلة. كما جدّدوا دعوتهم إلى المشاركة المكثفة في الاقتراع واختيار الكفاءات القادرة على الاضطلاع بمهامها التشريعية والرقابية بكفاءة ومسؤولية.
وشكّلت فئة الشباب أحد أبرز محاور الخطاب الانتخابي، حيث ركّزت مختلف التشكيلات على أهمية مواصلة توسيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية، تثمينا للإصلاحات التي عزّزت حضورهم في المؤسّسات المنتخبة. كما أبرزت القوائم الانتخابية حضورا معتبرا للكفاءات والإطارات الشابة، في توجّه يعكس الرغبة في تجديد النخب السياسية والاستفادة من الطاقات الوطنية في مواكبة التحوّلات التي تعرفها البلاد.
وعلى الصعيد المحلي، تضمّنت البرامج الانتخابية التزامات بمواصلة دعم المشاريع التنموية وتحسين الإطار المعيشي للمواطن، من خلال تعزيز الهياكل الصحية والتربوية، وتطوير شبكة الطرق، وإنجاز المحولات التي تربط المناطق النائية بالمحاور الكبرى، إلى جانب مواصلة برامج السكن والمرافق العمومية. وتعكس هذه الطروحات توجّها نحو تقديم حلول عملية ترتبط بالانشغالات اليومية للمواطنين، بما يعزّز مكانة البرلمان المقبل كشريك في مرافقة جهود التنمية الوطنية.
ومع اقتراب اختتام الحملة، برز بوضوح التحول الذي عرفه الخطاب الانتخابي، والذي اتّسم بدرجة أكبر من النضج والواقعية، حيث انصرف الاهتمام إلى مناقشة الملفات ذات الأولوية، وفي مقدّمتها التنمية المحلية، والتشغيل، والاستثمار، وتحسين الخدمة العمومية، إلى جانب تعزيز الجبهة الداخلية وصون السيادة الوطنية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. وأسهم هذا الطرح في إثراء النقاش السياسي، وفتح المجال أمام تنافس قائم على البرامج والرؤى، بما يعزّز ثقة المواطن في العملية الانتخابية.
ويؤشّر هذا التطور إلى مرحلة أكثر نضجا في المشهد السياسي الوطني، تتقدّم فيها البرامج الواقعية والالتزامات القابلة للتنفيذ، ويحتل فيها الحوار المسؤول مساحة أوسع من الخطابات التقليدية. كما يعكس وعيا متزايدا بأهمية بناء برلمان قوي وفاعل، قادر على أداء مهامه التشريعية والرقابية، ومواكبة الإصلاحات الكبرى التي تشهدها البلاد.
ومع اقتراب موعد الصمت الانتخابي، تستعد الجزائر للدخول في واحدة من أهم المحطات الديمقراطية، حيث ستنتقل الكلمة إلى الهيئة الناخبة للفصل في نتائج التنافس عبر صناديق الاقتراع، واختيار ممثليها في المجلس الشعبي الوطني، بما يجسّد الإرادة الشعبية ويعزّز مسار بناء مؤسّسات قوية تستجيب لتطلّعات المواطنين وتواكب رهانات التنمية في المرحلة المقبلة.



