قليل من الناس من لديه معلومات وافية عن النظام الصحي للثورة التحريرية الجزائرية المباركة (1954 – 1962) . كيف كانت تجري مداواة جرحى الثورة من المجاهدين والمسبلين ؟ هل كانت الثورة تملك نظاما صحيا جديرا بمعيارية تماسك صحة المجاهدين ؟ ماهي هياكل الاستشفاء ومن أين كان يأتي التمويل والتموين بالدواء ومستلزمات الجراحة والتموين؟ من كان يداوي جرحى المجاهدين ويسعفهم في وقت استحواذ فرنسا الاستعمارية على عملية تكوين الأطباء.
في هذا المقال المقتضب نحاول تسليط بعض الضوء على جانب خافت من جوانب الثورة التحريرية واستخلاص الدروس العملية لتصميم سياسة صحية وطنية متصالحة مع معيارية التماسك الصحي آفاق 2050.
مفهـــــوم الصحــة الثوريـــة
قبل بيان نوفمبر لإعلان الثورة التحريرية ضد المحتل الفرنسي في 27 أكتوبر 1954 بسنوات أي العام 1947، التحق عدد من الطلبة الجزائريين بجامعات فرنسية لتعلم الطب منهم البروفيسور سعيد شيبان الذي التحق بجامعة ستراسبورغ، ثم عاد بعد اندلاع الثورة طبيبا في صفوف الجهاد، وغيره كثيرون ممن ساهموا في نشوء وتنظيم وإدارة ما أسميه (نظام الصحة الثورية) أذكر منهم: عبد الحفيظ بوصوف – أحمد عروة – رابح علواش – تيجاني هدام – يوسف الخطيب – محمد بن عربية – مصطفى بلوزداد – مصطفى قارة – يوسف دمرجي – رشيد بن عباجي – محمد الصغير نقاش – الدكتور مشيش – يحي فارس – لمين خان – الممرض علي جباري من حي باب الوادي (على قيد الحياة) – الممرض لحرش مبارك من منطقة متليلي الشعانبة
مراحل تجسيــد نظـــام الصحــة الثوريــة
وتمّ تطبيق النظام الصحي للثورة التحريرية خلال 4 سنوات (1954 – 1958) وفق خطوات مدروسة على النحو التالي:
1954: تأسيس مصالح صحية في صفوف مجاهدي ثورة التحرير بمساعدة الكشافة الإسلامية الجزائرية بدءا بتأسيس نظام الإسعافات ثم نظام التكوين الطبي وشبه الطبي والتمريض (بعض عمليات التكوين بدأت قبل اندلاع الثورة في خطوة استشرافية ممتازة تعود لتاريخ أحداث 08 ماي 1945) .
وتمّ خلال بداية الثورة استغلال منتجات التكوين السابقة في استثمار الموارد البشرية الناشئة من أطباء – على قلتهم – وممرضين حيث تمّ إنشاء فرقة تكوين الممرضين الجدد ودورات في الإسعاف تحت إشراف المجاهد محمد لمقامي في ناحية وهران، كما تمّ في نفس الفترة إنشاء عيادات خلفية لعلاج جرحى ومرضى الثوار في كل من تونس ودول الجوار.
1956: ومع إطلالة 20 أوت 1956، والتئام مؤتمر الصومام وتوجيه توصياته، شرعت الثورة في إطلاق الأطر العملياتية للإسعاف، وتمّ – في نفس العام – إنشاء نظام إدارة وتسيير صحة الثورة التحريرية المباركة بإشراف مباشر من المجاهد التاريخي أحمد مهساس، بمساعدة السادة تيجاني هدام ومحمد الصغير نقاش وجراح طب العيون شوقي مصطفاوي.
وفي السنة نفسها، يوم 19 ماي، بدأت عملية التحاق الطلبة الجزائريين بصفوف الثورة وعددهم 33 طالبا دفعة أولى منهم 28 من طلبة الطب أي 85 بالمائة من إجمالي الطلبة، و26 بالمائة من طلاب الطب وعددهم 106 طلاب حينئذ.
1958: في هذا العام، تأسست الحكومة المؤقتة وفيها تمّ إنشاء وزارة الشؤون الاجتماعية، ومن ثمّة هيكلة ما عرف بدائرة الصحة المدنية، وتمّ تعيين الدكتور محمد الصغير نقاش مسؤول قطاع الصحة في هيئة الأركان.
إحصائيـات الصحـة الثوريــة
بين عامي 1957 و1958، أحصت دوائر التعليم في فرنسا التحاق 307 طلاب جزائريين بجامعات فرنسية لدراسة الطب، بغية تحصيل المعرفة الطبية وتطبيقها في صفوف الجهاد لثورة نوفمبر التحريرية، وقد توزع هؤلاء الطلبة على جامعات محددة بأعداد متفاوتة منها: مونبوليي (100 طالب) ثم ليون (51 طالبا) ثم تولوز (41 طالبا) ثم مرسيليا (24 طالبا) ثم بوردو (16 طالبا) وآخرها جامعة ليل (04 طلبة ).
هذا، وما تزال هناك معلومات إحصائية مجهولة جدير بمؤسسات وهياكل الدراسات التاريخية وقطاع المجاهدين وذوي الحقوق البحث فيها، ومنها:
– عدد أطباء الثورة التحريرية ونسبتهم لإجمالي الهيئة الصحية.
– عدد أطباء الثورة التحريرية الأجانب (أغلبهم فرنسيون ).
– عدد ممرضي المجاهدين ونسبتهم لإجمالي الأسرة الصحية.
– نسبة النساء إلى إجمالي أسرة الصحية للثورة.
– عدد الإداريين ومسيري قطاع الصحة الثورية ونسبتهم لإجمالي الأسرة الصحية.
– توزع الأسرة الصحية على ولايات الثورة .
– عدد المشافي والعيادات الطبية والعيادات المتنقلة بالداخل.
– عدد العيادات الطبية بالخارج ودول الجوار.
– ميزانية الصحة خلال الثورة ومصادر التمويل.
– طرق ومصادر التموين بالدواء ومستلزمات الجراحة.
– مراكز ومحاضن التكوين الاسعافي وتوزيعها عبر الولايات وعدد المتكونين بها.
– نسبة الفتيان والفتيات في مراكز التكوين الإسعافي.
– عدد جرحى الثورة الذين تمّ إسعافهم وكذا مرضى الثوار الذين تمّ علاجهم.
– إن إنشاء قاعدة بيانات محيّنة (بالاستعانة بالأحياء من شاهدي النظام الصحي للثورة التحريرية) عنصر مهم في سياق إطلاق (يقظة صحية تاريخية) تجمع بين يدي الجيل (2026 – 2100) مفردات الثورة وشروط نجاحها والدروس المستفادة في صناعة غد الوطن .
دروس مستفادة
أهم درس يستفاد من نظام صحة الثورة التحريرية هو الدور الحضاري للطبيب (والمسعف والممرض) الجزائري الذي كان يجمع بين لقب (الحكيم) ولقب (المجاهد)، وأن وظيفة الطبيب تتعدى حدود (المهنة) إلى أفق (الرسالة).
الدرس الثاني هو الدور الوظيفي للطبيب الذي يجمع بين (المهنة) و( التطوع) والخدمة العامة والمسؤولية الاجتماعية.
الدرس الثالث هو الاستثمار في التكوين واستشراف المستقبل كما فعل طلبة الطب الجزائريين في الجامعات الفرنسية والذين كانت نهاية تخرجهم الانخراط في صفوف جيش التحرير الوطني.
الدرس الرابع هو استثمار منتجات الصحة الثورية في صياغة السياسات الصحية للجزائر اليوم ومستقبلا على سلم (القيم النبيلة) أي حسب المعيارية القيمية للمهنة، ويبدو لي أن أطباء الجزائر اليوم وعددهم 78 ألفا طبيبا عاما و03 آلاف طبيبا متخصّصا مطالبون بقراء طب الثورة مثلهم مثل ممرضي القطاع الصحي وعددهم 40 ألفا، على هؤلاء بناء مرجعية تاريخية لتجاوز المهنة إلى الحكمة والوظيفة الاجتماعية.
فالنظام الصحي بالجزائر أمام تحديات حقيقية حسب مؤشرات :
الهياكل – التمويل – الأمراض والأمراض الجديدة والمستقبلية – التكوين – التكوين الرقمي – الشمول الصحي والطبي عبر الولايات – التنظيم الإداري – إدارة الصحة – تكوين المكونين – هياكل التكوين – الاستشفاء الجامعي – الاستشفاء التخصصي – الدواء – الرعاية الصحية – التطوع الصحي للأطباء والممرضين والمسعفين – التكوين الإسعافي – تغطية عجز صناديق التأمين الصحي – رقمنة القطاع الصحي .
وهذه بعض إشارات القطاع الصحي في الجزائر في رؤيته المستقبلية:
1- مــــن حيـــث الهياكــــل والمـــــورد البشـــري:
^ عدد المستشفيات العمومية 235: بنسبة متوسطة قدرها 5 مستشفيات لكل ولاية.
^ عدد المستشفيات المتخصصة: 91 مستشفى بنسبة متوسطة 1.3 وحدة لكل ولاية.
^ عدد المراكز الاستشفائية الجامعية: 16: هيكلا.
^ عدد عيادات القطاع الخاص 300: هيكلا.
^ اجمالي الهياكل الصحية 361: موزعة بين القطاعين العام والخاص بنسبة 13.7 هيكل لكل مليون نسمة أو 0.113 لكل ألف نسمة.
^ عدد الأطباء 78: ألفا .
^ عدد الأطباء المتخصّصين في القطاع العام : 21.5 ألفا.
^ عدد الأطباء المتخصّصين في القطاع الخاص: 18 ألفا.
^ نسبة عدد الأطباء المتخصّصين لعدد السكان: طبيب واحد لكل ألف نسمة.
^ عدد الأطباء المهاجرين: 28 ألفا (منهم 15 ألفا في فرنسا وحدها بنسبة 53.5 بالمائة).
^ نسبة الأطباء الجزائريين المهاجرين إلى أطباء الداخل: 33 بالمائة وهي نفسها نسبة المهاجرين للمواطنين الجزائريين.
^ حجم الأسرة الصحية (إجمالي الموظفين): 365 ألفا.
^ نسبة الأطباء لإجمالي وظيف الصحة: 26 بالمائة.
^ نسبة الأطباء المتخصّصين لإجمالي وظيف الصحة: 13 بالمائة.
^ نسبة الإداريين لإجمالي وظيف الصحة: 30 بالمائة.
2 – مــــن حيـــث التمويـــل (موازنـــة 2026):
^ ميزانية القطاع: 08 مليار دولار (1100 مليار دينار جزائري).
^ نصيب المواطن من ميزانية القطاع: 167 دولارا للعام 2026.
^ النسبة لإجمالي نفقات الحكومة: 06 بالمائة.
^ النسبة الى مبلغ عجز الموازنة: 20 بالمائة.
3 – مـــن حيـــث الأمراض:
^ السكري: 3.8 مليون مريض (14.4 بالمائة من عدد السكان).
^ الضغط الشرياني: 08 مليون (23.6 بالمائة من عدد السكان).
الأمراض المزمنة: 18 مليون مريض (36 بالمائة من عدد السكان).
^ توزع الأمراض المزمنة: الربو – الحساسية – السرطانات – الروماتيزم – التهاب الكبد الفيروسي – أمراض القلب.
^ الأمراض العقلية: 1.5 مليون مريض (03 بالمائة من عدد السكان).
^ التوحد: 45 ألف حالة (0.003 لكل ألف طفل جزائري).
^ السمنة: 22 بالمائة من عدد البالغين.
^ التدخين (يعتبر مرضا اجتماعيا): 04 مليون (10 بالمائة من عدد السكان).
حاجتنـا ليقظـــة صحيـــة
الأرقام التي ذكرت تزداد (في المتوسّط) سنويا، بل يوميا، بحكم الزيادة السنوية لعدد الساكنة (مليون نسمة متوقعة سنة 2026) أو 2740 مولود جديد كل يوم أو 114 مولود جديد كل ساعة أو 2 مواليد كل دقيقة .
هذه الزيادة السكانية تجرّ إليها زيادة متكافئة في عدد حالات المرض وحالات الحاجة للرعاية الصحية آفاق 2050 – 2100 ومابعدها بما يستدعي إعادة تنظيم القطاع حسب معيارية (اليقظة) وذلك بتأسيس خلية لليقظة الصحية تتكفل بثلاث عمليات هي:
^ تشخيص المشكلات الصحية في الجزائر في تطورها المستقبلي (2050 على الأقل).
^ بناء قاعدة معطيات إحصائية (كمية وكيفية) حقيقية وصادقة على مدى 2050 – 2100.
^ بناء منظومة حديثة لتحليل معطيات القطاع (كمي وكيفي).
^ تصميم سياسات صحية وطبية حسب نتائج تحليل المعطيات.
^ تصميم وتنفيذ قرارات وقوانين صحية وطبية جديرة باصطياد فرص المستقبل الصحي للوطن وإدارة مخاطره بشكل أكثر نجاعة.
وزيـــــر سابـــق للاستشــراف والإحصائيـــــات
رئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغد





