منحة السفر عبر البطاقة البنكية تحفظ حق المواطن وتعزّز حماية المال العـام
معالجة الاختلالات الهيكلية واعتماد أدوات حديثة في تسيير الموارد العمومية
إدارة أكثر شفافية وكفــاءة تنسجم مــع مســـار الرقمنــة وتعزيــــز الحوكمــة
القرار الجديد يعيـد توجيــه المنحـــة إلى غايتهـــا الأصليـــة ويحاصـــر السمســرة
حافـــــز لتوسيـــع استخـــدام الحسابــــات البنكيــة ووسائل الدفــــع الإلكــتروني
كشفت القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء الأخير، الذي ترأّسه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أول أمس، عن انتقال مسار الإصلاحات في الجزائر إلى مرحلة أكثر عمقا، ترتكز على معالجة الاختلالات الهيكلية واعتماد أدوات حديثة في تسيير الموارد العمومية. ويأتي قرار صرف منحة السفر عبر البطاقات البنكية تجسيدا لهذا التوجّه، باعتباره خطوة نحو إدارة أكثر شفافية وكفاءة، تنسجم مع مسار الرّقمنة وتعزيز الحوكمة.
ثمّن الخبير الاقتصادي، الدكتور هواري تيغرسي، في تصريح لـ»الشعب»، الأثر الإيجابي لاجتماعات مجلس الوزراء الدورية منذ تولي رئيس الجمهورية مهامه، مؤكّدا أنها أسهمت في ترسيخ الثقة بين المواطن والدولة، وتحوّلت إلى محطة وطنية تحظى باهتمام الأسر الجزائرية والمتعاملين الاقتصاديّين، لما تتضمّنه من قرارات تمسّ الحياة اليومية، وتدعم القدرة الشرائية، وتطور الخدمات العمومية، وتعزّز الحوكمة الاقتصادية.
وأوضح أنّ القرار المتعلق بصرف منحة السفر عبر البطاقة البنكية، يعد من أبرز الإصلاحات المالية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، لأنه يتجاوز تغيير وسيلة الدفع إلى إرساء نموذج جديد في إدارة الدعم العمومي، يقوم على ترشيد استخدام الموارد الوطنية ورفع كفاءة الإنفاق.
مـــــن دعــــم نقــــدي إلى خدمـــة ماليــة رقميــــة
أكّد تيغرسي أنّ منحة السفر تمثل حقا أقرّته الدولة لتخفيف أعباء التنقل إلى الخارج، غير أنّ التطبيق الميداني أظهر استغلال جزء منها في المضاربة داخل السوق الموازية للعملة، عوض توجيهها لتغطية نفقات السفر.
وأضاف أنّ القرار الجديد، القاضي بصرف المنحة عبر بطاقة بنكية، يعيد توجيهها إلى غايتها الأصلية، من خلال تمكين المستفيد من استخدامها في عمليات الدفع أو السحب أثناء السفر، بما يضمن الاستفادة الفعلية منها، ويعزّز الرقابة على استعمالها، ويحد من التجاوزات.
وأشار إلى أنّ اعتماد وسيلة دفع رقمية يجعل جميع العمليات قابلة للتتبّع، وهو ما يضيق هامش المضاربة، ويضمن توجيه الدعم إلى الغرض الذي خصّص له، بما يرفع كفاءة الإنفاق العمومي، ويمكّن الدولة من توجيه مواردها نحو الاستخدامات الأكثر إنتاجية.
خطوة عملية لمحاصرة السوق الموازية للعملة
تناول الخبير الاقتصادي انعكاسات القرار على السوق الموازية للعملة، موضّحا أنها كانت تستفيد من إعادة بيع جزء من العملات الأجنبية التي يحصل عليها بعض المستفيدين من المنحة. ومع اعتماد البطاقة البنكية، تتراجع إمكانية إعادة تداول النقد الأجنبي خارج القنوات الرّسمية، الأمر الذي يقلّص مصادر تموين السوق الموازية، معتبرا أنّ القضاء عليها بصورة كاملة يظل مرتبطا بإصلاحات أشمل في سوق الصرف.
وأضاف أنّ القرار يشكّل حافزا لتوسيع استخدام الحسابات البنكية ووسائل الدفع الإلكتروني، بما يدعم الشمول المالي، ويرسّخ ثقافة التعاملات الرقمية، ويدفع البنوك إلى تطوير خدماتها، وتحسين جاهزية أنظمة الدفع، وتوسيع انتشار الوسائل الإلكترونية.
كما يُسهم، بحسب المتحدث، في تعزيز الشفافية والحوكمة، من خلال تمكين أجهزة الرقابة من متابعة العمليات المالية بكفاءة أكبر، والحد من مخاطر التلاعب، وهو ما ينسجم مع استراتيجية الدولة الرامية إلى رقمنة الإدارة وربط الخدمات العمومية بالأنظمة المعلوماتية.
رسالـــة ثقـــة في قــــدرة المؤسّســـات علــــى الإصـــلاح
يرى تيغرسي أنّ قرار تمكين المسافرين من الاستفادة من منحة السفر عبر البطاقة البنكية يعكس انتقال الإصلاحات إلى مرحلة تعتمد الحلول التنظيمية والرّقمية لمعالجة الاختلالات، بما يضمن حماية حق المواطن في الاستفادة من الدعم، ويصون المال العام في الوقت نفسه.
وأكّد أنّ العدالة الاجتماعية تقاس أيضا بمدى وصول الدعم إلى مستحقيه، وحسن إدارته، ومنع تسرّبه إلى غير الأغراض التي خصّص لها. ومن هذا المنطلق، يشكّل التحول الرقمي أداة فعالة لترشيد استخدام النقد الأجنبي، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة الخدمات البنكية، إلى جانب دعم الانتقال نحو اقتصاد أكثر اعتمادا على وسائل الدفع الحديثة.
اعتبر الخبير الاقتصادي أنّ القرار يجسّد تحوّلا في فلسفة إدارة النقد الأجنبي، بعدما انتقلت الدولة من التركيز على توزيع العملة إلى الاهتمام بحوكمة استخدامها وضمان توجيهها إلى الغاية التي خصّصت لها، خاصة بعد تسجيل حالات استغلت الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية لتحقيق مكاسب غير مشروعة، بما أثر على احتياطي الصرف دون تحقيق الأهداف المرجوّة من المنحة.
وأوضح أنّ اعتماد البطاقة البنكية يجعل عملية الاستفادة أكثر شفافية وقابلية للتتبع، ويمنح المؤسّسات المالية أدوات رقابية أكثر فعالية، مع الحفاظ الكامل على حق المواطن في الاستفادة من المنحة وفقا للشروط المنظمة.
وأشار تيغرسي إلى أنّ احتياطي الصرف يمثل أحد أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي، باعتباره الضامن لتمويل الواردات وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.
وفي ختام تصريحه، أكّد أنّ مجمل القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء تعكس توجّها واضحا نحو بناء منظومة اقتصادية أكثر تنظيما واعتمادا على الرقمنة، وأكثر حرصا على حماية المال العام، كما تبعث برسالة إيجابية للمستثمرين مفادها أنّ الجزائر تواصل تحديث منظومتها المالية والإدارية، بما يعزّز مناخ الأعمال ويرفع جاذبية الاستثمار. وختم بالتأكيد أنّ النموذج الاقتصادي الذي تتّجه إليه الجزائر يرتكز على ثلاث دعائم أساسية هي: حماية الموارد المالية للدولة، تعميم الرّقمنة في الإدارة والقطاع البنكي، وتعزيز الشفافية والحوكمة في تسيير الأموال العمومية.




