(1)
لا أملك لنفسي سوى البكاء عليها، وربما أرثيها ببضع قصائد ركيكة.
(2)
لم أعد أبحث عن نفسي منذ زمن، نسيتها مع تلك الأشياء التي كانت تسكنها، وغادرتْ فجأة، لا أدري لماذا؟ ولم يعد يهمني أن أعرف سببا؛ فالأشياء التي تغادرك، هي في الأساس لم تكن لك يوما، ربما كانت تسكنك؛ لأنها لم تكن تجد مكانا تقنط فيه؛ فيهدأ ريحها سواك.
الأشياء الجميلة أو التي كنا نحسبها كذلك، تغادر دون مقدمات أو أسباب واضحة، هذه فلسفة الحياة العادلة، هكذا عودتنا، لذلك لا شيء يثير استغرابنا، ويعزز من أوجاعنا المكدسة في صناديق الذاكرة وتلابيب القلب.
(3)
في هذا الصباح الهش، تتسرّب خيوط الشمس من خلف الستار بهدوء وسكينة، تُلقي بظلالها الذهبية على محتويات الغرفة ومن ضمنها جسدي الملقى على السرير كجثة تنتظر موعد دفنها، أسمع كل ما يدور حولي لكني لا أعي ما يقال ولا أدرك ماهية الظلال التي تتحرك، ربما أشباح، أو بشر أو بقايا أحلام خلفتها ورائي، وربما محض أوهام!
(4)
سأدون ما لا أعرف عن يومي هذا اليوم، وما لا أفهم عن تلك المشاعر التي تغزوني، وتمسك بي من ناصيتي، وتجرني وراءها مثل كيسٍ محشو بالورق والترهات.
(5)
أبي يشعل فيروز، يطرب لصوتها بصورة ساحرة، يطهو قهوته برفق، يدلل وجهها بكثير من الابتسامات، رغم أنه منذ أكثر من أربعين عاما يستمع لفيروز ويطهو قهوته بذات الطريقة، يخلق طقوسا افتتاحية صارمة، أشبه بطقوس بوذي على أبواب معبده، يرسم القصائد في مخيلته ، يغزلها كثوب حرير خيوطه تلتف بين أصابعه، ثم يعلقها على جدار شرفته، يتركها تختمر ـ على مهلها..
(6)
المرأة المكسرة المعلقة أول البيت، عادة ما أهرب منها بكل ما أوتيت من مكر وحيل، أخاف أن أرى ما سيظهر فيها إذا وقفت أمامها، اليوم وفي لحظة سهو لعينة، كان سببها أني توهّمتُ عصفورا واقفا على الشباك؛ فركضت ملهوفا لأرى شكله؛ فمنذ أن ولدت لم أرَ كيف شكل العصفور الذي يصفون ويتحدثون عنه، حين وصلت لم أجد شيئا، أظنه كان فخا أو سرابا، وجدت نفسي متسمرا أمام المرآة، لا أدري كيف كانت ملامحي حينها، حاولت جاهدا أن أشعر بما يدور بداخلي هذه اللحظة، ركودٌ تام مثل بحيرة لم يرتادها أحد منذ أن قذفها الله على الأرض.
(7)
إذن هذه هي المرأة، الكائن المرعب، الغول الذي يبتلع وجوهنا، ويشوه ملامحنا، لا مفر منها، سأفتح عينيَّ دفعة واحدة، أخذت نفسا عميقا، هيأتُ مخيلتي للأسوأ، وقفت كجذع نخلة لا يضيره ريح أو عاصفة، استجمعت شجاعتي، صرت أعد الثواني، أتنفس الصعداء بقوة حصان لاهث، كلما هممت بفعلها، يزجرني شعورٌ كثيف:
اركض بعيدا حيث لا مرايا.
لا مفر هذه المرة، أرجعُ من جديد استجمع شجاعتي، أقف ثابتا، أسحب نفسا عميقا يملأ زوايا جسدي، يخفق صدري كطبلٍ مجوف تعبره زوبعة، يتصبب العرق حارا كأنَّ رأسي موقد نار، وجبيني شلالا ينهمر من غيمة.
اركض اركض حيث لا مرايا..
أرجعُ مرة أخرى، دون مقدمات، ودون أن أستجمع شجاعتي، ودون أن آخذ نفسا كما في كل مرة، وقفت أمام المرآة بهزلٍ صريح، وجسد متهالك كبيت أصابته حرب طائشة، اقتربت منها، جعلت وجهي يلتصق بها، رطوبة أنفاسي تترك طبقة ضبابٍ رقيقٍ على متنها، فجأة فتحتُ عينيّ على وسعهما مثل رجل أفاق منتفضا من كابوس، لم أجد أحدا أمامي، لم أر شيئا قط.





