في كل محطة تستحضر الجزائر ذكرى استعادة السيادة الوطنية، يعود النقاش حول الكيفية التي حفظ بها الأدب الوطني ذاكرة الثورة التحريرية، ليس بوصفها حدثا تاريخيا فحسب، وإنما باعتبارها تجربة إنسانية أسهمت في تشكيل الهوية الوطنية والوعي الجماعي.
في هذا السياق، أكّد الأستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة بمستغانم، محمد بركات، في تصريح لـ «الشعب»، أنّ الأدب الجزائري المعاصر استطاع أن يجعل من الثورة فضاء للإبداع والتأمل، متجاوزا حدود التوثيق التقليدي نحو حفظ الذاكرة الوجدانية والإنسانية.
ويرى الدكتور بركات أنّ استحضار الخامس من جويلية، لا يقتصر على الاحتفاء باسترجاع الاستقلال باعتباره واقعة سياسية، بل يمثل استعادة لسردية وطنية كبرى أعادت صياغة علاقة الجزائري بأرضه ولغته ومستقبله.
ومن هذا المنطلق يطرح تساؤلا جوهريا حول مدى قدرة الأدب الجزائري المعاصر على توثيق الثورة التحريرية، وما إذا كانت الثورة ما تزال حاضرة في المتن الأدبي باعتبارها قضية فكرية وجمالية، أم أنّها تحولت إلى مجرد ذكرى احتفالية بعيدة عن أسئلة الراهن.
ويؤكّد المتحدّث ضرورة التمييز بين التوثيق التاريخي والتوثيق الأدبي، موضّحا أنّ المؤرخ يعتمد الوثيقة والأرشيف وتسلسل الوقائع، بينما يمتلك الأدب قدرة مختلفة تتمثل في حفظ ما تعجز الوثائق الرسمية عن تسجيله، من مشاعر الخوف والانتظار والفقد والصمت، وما رافق الثورة من تحولات نفسية واجتماعية عميقة، ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للأدب لا تكمن في إعادة سرد الأحداث، وإنما في نقل التجربة الإنسانية التي عاشها الأفراد خلال تلك المرحلة المفصلية.
وأشار الدكتور بركات إلى أنّ الثورة التحريرية حضرت بقوة في مختلف مراحل الأدب الجزائري، سواء المكتوب بالعربية أو الفرنسية أو الأمازيغية، حيث شكّلت محورا رئيسيا في أعمال عدد من كبار الكتاب، الذين لم يتعاملوا معها كخلفية زمنية للأحداث، بل كبنية فكرية ورمزية تحدد ملامح الشخصيات، وتعكس علاقة الإنسان الجزائري بوطنه وهويته وذاكرته.
وأضاف أنّ الكتابات الأولى اتسمت بروح الشهادة والملحمة الوطنية، إذ ركزت على تمجيد المقاومة وكشف جرائم الاستعمار، وإبراز تضحيات الشعب الجزائري، غير أن تطور التجربة الأدبية قاد، لاحقا، إلى مرحلة جديدة اتسمت بطرح الأسئلة النقدية حول الثورة نفسها، من خلال البحث في الأصوات التي بقيت على هامش السرديات الكبرى، وإعادة الاعتبار لتجارب المرأة والطفل والفلاح والمعلم والمثقف والمنفي والمعتقل، باعتبارهم جميعا جزءا من الذاكرة الوطنية.
وفي هذا الإطار، يرى الأكاديمي أنّ الرواية الجزائرية المعاصرة لا تنافس التاريخ، وإنما توسع آفاقه، إذ تجعل القارئ يعيش الثورة من داخل تفاصيل الحياة اليومية، في القرية المحاصرة، والبيت البسيط، والزنزانة، وذاكرة المرأة الصامتة، ولغة الإنسان التي مزقتها سنوات الاستعمار، وهو ما يمنح الوثيقة التاريخية بعدها الإنساني ويجعلها أكثر قربا من القارئ.
ورغم هذا الرصيد الأدبي، يعتقد الدكتور بركات أنّ هناك مساحات ما تزال في حاجة إلى مزيد من الكتابة، وفي مقدمتها الذاكرات المحلية، وشهادات النساء، وسرديات المناطق المختلفة، وتجارب المهاجرين الجزائريين، إضافة إلى انعكاسات الحرب على البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع بعد الاستقلال، مؤكّدا أن الثورة لم تكن مواجهة عسكرية فقط، بل كانت أيضا تحولا حضاريا وثقافيا وروحيا عميقا.
وينتهي الدكتور محمد الأمين بركات إلى أن الأدب الجزائري المعاصر يؤدي دورا أساسيا في صون الذاكرة الوطنية، ليس باعتباره بديلا عن التاريخ، وإنما بوصفه أرشيفا وجدانيا وجماليا وأخلاقيا يحفظ أثر الثورة في الإنسان واللغة والوجدان، فبينما يؤرّخ المؤرخ لما وقع، يظل الأديب، في نظره، مؤرخا لما تركته الوقائع في الروح والذاكرة.





