بن دودة: رحيـــل بوقاف خســارة للجامعــة الجزائريــة والحقــل الأكاديمــي
بوساحة: بوقـــاف منـــح الـــدرس الفلسفــــي بالجزائــر حركيــة جديــــدة
مسرحي: نصــوص بوقـاف كانــــت ذات هـــدف تنويـــري وتحريـــري
عويمـــر: بوقــاف فيلســــوف تميّـــز بهـــدوء الحــــوار وعمـــــق الاطــلاع
هزرشي: التنويــــر وتكويــــن الأجيــــال مشـــروع بوقــــاف الفكـــــري
غادرنا الأستاذ الدكتور والفيلسوف عبد الرحمن بوقاف، أحد الأسماء التي تركت بصمتها في المشهد الفلسفي والأكاديمي الجزائري، بعد مسار طويل في التدريس والبحث والتأطير، جعل من الجامعة فضاء لإنتاج المعرفة، ومن السؤال الفلسفي مدخلا إلى التفكير والنقد وإعادة قراءة الإنسان والعالم.
أمينة جابالله
لم يكن بوقاف مجرد أستاذ جامعي يلقّن الدروس، وإنما كان، كما تقول شهادات زملائه وطلبته، صاحب مشروع فكري جعل الفلسفة ممارسة للعقل، تقوم على السؤال والحوار والنقد، وتدفع الباحث إلى تجاوز الإجابات الجاهزة نحو بناء موقف فكري مستقل.
وزيرة الثقافة:
نهر من العلم لا ينضب
ولعلّ حجم الخسارة التي يمثلها رحيل عبد الرحمن بوقاف، يتجلى في الكلمات المؤثرة التي رافقت خبر وفاته، وفي مقدمتها وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، التي كتبت في صفحتها: “وداعا أيها الفيلسوف”، مستحضرة علاقتها الإنسانية والفكرية بالراحل، ومعبرة عن ألم فقدان “صديق عزيز” وأحد أولئك النادرين الذين “يضيئون الحياة بعلمهم ووفائهم وإخلاصهم”.
ووصفت بن دودة بوقاف بأنه كان طوال سنوات عمره التي أفناها في التعليم والبحث والتأطير، أكثر من أستاذ جامعي، بل “نهرا من العلم لا ينضب”، يروي ظمأ طلبته ويوقظ في عقولهم دهشة السؤال الفلسفي، ويجعل من كل لقاء أفقا جديدا للفكر.
وقالت الوزيرة إن رحيل بوقاف يمثل خسارة للجامعة الجزائرية التي تفقد باحثا رصينا أغنى الحقل الأكاديمي بإسهاماته، كما يمثل خسارة لأصدقائه ورفاقه ومحبيه، الذين فقدوا “رفيق رحلة فكر، وشريك حوار طويل”، تاركا في ذاكرة كل من نهل من علمه أثرا عصيا على النسيان. وفي ختام تعزيتها، توجّهت بالدعاء إلى الله أن يتغمد الراحل بواسع رحمته، وأن يجعل علمه النافع وعطاءه المتواصل في ميزان حسناته.
عمر بوساحة:
بوقاف عُرف بالجدية والجرأة الفلسفية
ومن جهته، يستعيد الدكتور عمر بوساحة، رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، في تصريح لـ«الشعب”، أول لقاء جمعه بالراحل سنة 1987، بعد عودتهما من منح دراسية خارج الوطن، مؤكدا أن حرارة ذلك اللقاء استمرت إلى اليوم. ويشير بوساحة إلى أن بوقاف، العائد بعد سنوات من التكوين في الولايات المتحدة الأمريكية، كان يحمل تكوينا علميا متوازنا، جمع بين معرفة التراث والاطلاع الواسع على الفكر الفلسفي الحديث.
ويرى بوساحة أن انتماء بوقاف إلى قسم الفلسفة بجامعة الجزائر شكّل “إضافة نوعية” منحت الدرس الفلسفي حركية جديدة، إذ لم يبق أسير تخصّصه الأصلي في الفلسفة الحديثة، وإنما فتح الدراسات العليا على موضوعات جديدة، وساهم في دفع الطلبة إلى الانفتاح على عوالم الفلسفة المختلفة، كما يلفت إلى أنه درّس في أغلب أقسام الفلسفة بالجامعات الجزائرية، وظلّ في ذاكرة طلبته أستاذا متميزا، عُرف بالجدية والجرأة الفلسفية.
فارح مسرحي:
أحد أعمدة الفلسفة في الجزائر
أما الدكتور فارح مسرحي الذي خصّص للراحل كتابا بعنوان “عبد الرحمن بوقاف: فيلسوف النقد والتنوير في الجزائر”، فيؤكد في تصريح لـ«الشعب” أن الفلسفة الجزائرية فقدت بوفاته “أحد أعمدتها المتينة التي لا يمكن تعويضها”، ويصفه بأنه من بين المشتغلين بالفلسفة في الجزائر الذين يمكن إطلاق لقب “الفيلسوف” عليهم دون تحفظ، لما امتلكه من تكوين فلسفي متميز وقدرة على التفلسف العميق والدقيق المنتج للأفكار.
ويستعيد مسرحي جانبا من مسيرة أستاذه، من مولده سنة 1951، وتخرجه في جامعة الجزائر، إلى حصوله على الماستر ثم الدكتوراه في الفلسفة من الولايات المتحدة الأمريكية، وعودته إلى الجزائر أستاذا للفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة بجامعة الجزائر 2، كما يبرز اختياره تكوين الطلبة ومساعدتهم وتحفيزهم على نشر الفلسفة في الجزائر، بدل الانشغال بمساره الشخصي والترقيات والشهرة، وهو خيار جعل أثره يتسّع عبر أجيال من الباحثين والأساتذة.
ويضيف مسرحي أن قلة كتابات بوقاف لا تنتقص من قيمته الفلسفية، لأن نصوصه، على قلتها، كانت “مركزة، متينة وعميقة.. ذات هم فلسفي ومنهج نقدي وهدف تنويري وتحريري”، مؤكدا أن انتشارها بين المشتغلين بالفلسفة في الجزائر كان من شأنه أن يترك أثرا كبيرا.
مولود عويمر:
وصية الفيلسوف قبل رحيله
بدوره، يستحضر الدكتور مولود عويمر، في تصريح لـ«الشعب”، مسيرة الراحل العلمية، منذ تكوينه الأول إلى دراسته الفلسفة بجامعة الجزائر ثم إيفاده إلى الولايات المتحدة، حيث نال الدكتوراه في “فلسفة هيغل” سنة 1987، قبل أن يعود إلى الجزائر ويكرّس مساره للتدريس والتأطير والبحث.
ويشير عويمر إلى أن بوقاف، رغم غزارة علمه واتساع اطلاعه على الفكر المعاصر، كان مقلا في الكتابة، غير أنه ترك دراسات وأبحاثا ومساهمات في مؤلفات جماعية ومجلات فلسفية، وشارك في ملتقيات علمية داخل الجزائر وخارجها. ويستعيد عويمر علاقته الشخصية بالراحل، التي بدأت سنة 2007، واصفا إياه بطيب الخلق وسعة الاطلاع وهدوء الحوار وعمقه. ويظل آخر لقاء جمعهما في أفريل الماضي حاضرا في ذاكرته، حين بدا بوقاف متعبا، فرافقه إلى منزله، قبل أن يوصيه بمواصلة النشاط الفكري والبحث العلمي، وهي آخر كلمات بقيت عالقة في ذاكرته.
عبد الباقي هزرشي:
أخ أكبر ومشروع تنويري
وبين الشهادات التي تضيء الجانب الفكري والإنساني في شخصية الراحل، تبرز شهادة الأستاذ عبد الباقي هزرشي الذي وصف بوقاف بـ«أخي الكبير”، واعتبره واحدا من “الأسماء النوعية الثمينة” في مشهد الفعل الفلسفي الجزائري. وفي نبذة نشرها على الصفحة الرسمية للجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، يستعيد هزرشي مسار الراحل منذ دراسته الفلسفة بجامعة الجزائر، ثم بعثته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنجز عملا أكاديميا حول “مفهوم وحدة الإنسان في فلسفة هيغل الشاب”، قبل عودته إلى الوطن وانخراطه في التعليم والبحث وتولي عدد من المسؤوليات الأكاديمية، وتأطير عشرات الطلبة الباحثين والمشاركة في ملتقيات علمية عديدة.
ويتوقف هزرشي عند المرجعيات التي أثرت في المسار الفلسفي لبوقاف، من الفكر المعتزلي العقلاني إلى جهود مالك بن نبي وزكي نجيب محمود والماركسية، مرورا بالفيلسوف الكندي تشارلز تايلور، فيما ظلّ هيغل “ملهمه الأساسي”.. في تصور بوقاف، لم تكن الفلسفة مجرد بحث عن الحقيقة، وإنما مرآة للإنسان ونجاحاته وإخفاقاته، فيما كانت قراءة التراث ضرورية شرط ألا تصطدم بالحداثة. ومن هنا برز انشغاله المركزي بإشاعة الروح التنويرية، والاستنارة بفكر ابن رشد وكانط وهيغل والتنويريين العرب، مع أسفه لغياب المشاريع الفكرية في الجزائر، وأمله في أن تواصل الأجيال الصاعدة هذا المسار.
ولا يكتفي هزرشي باستعادة المنجز الفكري لبوقاف، بل يرسم صورة إنسانية لرجل “شهم نبيل، مهموم”، ظلّ يحمّل هم الفعل الفلسفي طبلة مساره العلمي. ويشير إلى منجزاته، ومنها “مقالات فلسفية” بجزأيه، والعمل الأكاديمي حول “وحدة الإنسان في فلسفة هيغل الشاب”، فضلا عن نص مخطوط “حول فلسفة بيركلي”. وبين هذه الأعمال والذكريات، تظل صورة بوقاف كما أرادها هزرشي: أستاذا وباحثا وفيلسوفا جعل من التنوير مشروعا، ومن تكوين الأجيال امتدادا حقيقيا لفكره.
الفلسفة سؤال مفتوح..
احتلت الفلسفة الألمانية مساحة مهمة في مشروع الراحل، وبرز ذلك من خلال اهتمامه بفلاسفة من أمثال هيغل وإدموند هوسرل، وقراءاته للنسق الفلسفي ومفاهيمه وتحولاته. ومن بين مؤلفاته كتاب “فلسفة إدموند هوسرل: نظرية الرد الفينومينولوجي”، الصادر عن ديوان المطبوعات الجامعية سنة 2005، وهو عمل يعكس انشغاله بالفينومينولوجيا وبالأسئلة التي تطرحها حول المعرفة والوعي والوجود، كما تناول في أبحاثه “الفكر الهيغلي ومراحل تشكل النسق الفلسفي عند هيغل”، إلى جانب قضايا التنوير والنقد، وهي موضوعات ستظل حاضرة في قراءة تجربته الفكرية، خاصة أن مشروعه لم يتوقف عند استيعاب المنجز الفلسفي الغربي، وإنما سعى إلى مساءلة علاقته بالفكر العربي وواقع الممارسة الفلسفية في الجزائر.
وفي سنة 2017، صدر له كتاب “مقالات فلسفية” الذي جمع جانبا من كتاباته وانشغالاته الفكرية، ليضاف إلى رصيد أكاديمي وفلسفي أسهم من خلاله في إثراء المكتبة الجامعية الجزائرية.
ولم تكن مكانته وليدة كتاب أو بحث واحد، بل ثمرة مسار طويل في التعليم والبحث والإشراف الأكاديمي، فقد ارتبط اسمه بعدد من الأعمال الجامعية التي أشرف عليها، في موضوعات امتدت إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة، والفكر العربي، والفلسفة الأخلاقية، وقضايا الفن والميتافيزيقا، بما يعكس اتساع دائرة اهتماماته العلمية.
فيلسوف النقد والتنوير
ولعلّ المكانة التي احتلها عبد الرحمن بوقاف في المشهد الفلسفي الجزائري تتضّح أيضا من خلال الكتاب الذي خصّه به الباحث فارح مسرحي، بعنوان “عبد الرحمن بوقاف: فيلسوف النقد والتنوير في الجزائر”، الصادر سنة 2022 ضمن سلسلة “أعلام الفكر”.
وهو عنوان يلخّص جانبا أساسيا من مساره، ويضع تجربته ضمن مسار الفكر الفلسفي الجزائري الذي جعل من النقد والتنوير مدخلا لمساءلة الواقع وتحرير العقل.
وبعيدا عن الألقاب والإنجازات الأكاديمية، يظلّ الراحل في ذاكرة من عرفوه إنسانا وأستاذا وصديقا. فقد اجتمعت الشهادات التي رافقت رحيله على استحضار علمه وتواضعه وجديته وحرصه على تكوين الأجيال، وهي خصال جعلت أثره يتجاوز ما تركه من كتب ومقالات إلى ما زرعه في عقول طلبته ومحبيه.
برحيل عبد الرحمن بوقاف، لا تفقد الجامعة الجزائرية أستاذا وباحثا فحسب، وإنما تفقد أحد أولئك الذين جعلوا من الفلسفة مساحة للحوار، ومن الاختلاف طريقا إلى المعرفة، ومن التنوير مشروعا يتجاوز حدود النص إلى الإنسان والمجتمع. وبينما يسدل الموت ستاره على مسيرة رجل، تبقى الكتب والأبحاث والطلبة والأسئلة التي زرعها شاهدة على حياة فكرية لم تكن عابرة.






