يرى أستاذ التعليم العالي ومكلّف بالمؤسّسة الفرعية بجامعة وهران 2، حاكمي بوحفص، أنّ التنسيق بين القرارات الاقتصادية والاجتماعية في السياسة الحكومية، يمثل استراتيجية حكيمة ومدروسة، من شأنها الإسهام في استقرار الظروف المعيشية للمواطن، كونها تصب في سياق الحفاظ على القدرة الشرائية، وتحقيق التوازن بين الإنتاج والطلب والوفرة وضبط الأسعار، بما يضمن دخولا اجتماعيا آمنا وسلسا.
أشاد بوحفص، بأهمية تنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية والدور الفعّال، الذي يؤديه في تحقيق الأهداف المسطّرة من قبل الحكومات، التي تسعى جاهدة إلى تنسيق القرارات المتخذة سوءا في بعدها الاقتصادي أو الاجتماعي، في ظل التغيّرات التي يشهدها العالم.
وقال حاكمي في تصريح لـ «الشعب»: «إنّ التضامن الحكومي وتنسيق القرارات بين الهيئات الوزارية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، في ظل الدخول الاجتماعي، أضفيا على الحياة الاقتصادية والاجتماعية نوعا من الاستقرار، وعلى المشهد العام طابعا من الهدوء والسكينة».
وأوضح أنّ هذا ما يجب أن يميّز دائما عمل السياسات الاقتصادية وعمل الحكومات الهادفة إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، مشيرا إلى أنّ التغييرات التي يشهدها المشهد السياسي من خلال تغيير الوزراء هدفه البحث عن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، الذي من شأنه الانعكاس على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى الجوانب الاجتماعية المختلفة.
وفي هذا السياق، فإنّ خير مثال على ذلك، يضيف حاكمي، «التوازن النسبي الذي يشهده اليوم سوق السلع، بسبب إجراءات الضبط الاقتصادي (سواء من خلال تحقيق السيادة الغذائية في قطاع الفلاحة)، وضبط ميكانيزمات السوق كأدوات السياسة التجارية (من خلال دعم الإنتاج الوطني، ومنع الاستيراد العشوائي، تشجيع التصدير…) إلى جانب أدوات الضبط المختلفة للهيئات الوزارية المختلفة».
وفي ردّه على سؤال حول ما إذا أصبح ضبط السوق يعتمد أكثر على الإنتاج والوفرة بدل الإجراءات الظرفية، قال المتحدث: «إنّ تعديل السوق وحركة السلع تعتمدان أكثر على الوفرة الناتجة عن سياسة دعم المنتوج الوطني وقانون المضاربة وغيرها من الإجراءات، عكس ما كان سائدا من قبل، حيث كان السوق يعتمد على إجراءات ظرفية غير مستدامة عرّضت السوق إلى اضطرابات خاصة في المواسم».
وأضاف أنّ تنسيق السياسات الاقتصادية وقراراتها والتضامن الحكومي، لا يمكن أن يعطي آثارا ملموسة «إلا عندما تأتي نتائج المشاريع الكبرى الذكية والعملاقة على المدى المتوسط والطويل». وهو ما تراهن عليه الحكومة الجزائرية حاليا -يقول حاكمي- من خلال مشروع التنويع الاقتصادي (الفلاحة الاستراتيجية، البحث المنجمي) وسيعكس إيجابيا على توفير احتياجات المواطن وتحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، تقليص الاستيراد، وتسرّب العملة الصعبة وتشجيع التصدير.
وفي سياق آخر، شدّد حاكمي على ضرورة تعزيز وتوطيد التعاون بين مختلف القطاعات العمومية والخاصة، وحتى القطاع الأكاديمي من جامعات ومراكز بحث، التي تقود الآن عملية التحول إلى اقتصاد مستقل وذاتي يحقّق الاستدامة والتنمية.
وفي هذا الصدد، نوّه المتحدث بالدور الكبير الذي تقوم به الشركات الناشئة والمصغّرة والمتوسطة، وخاصة تلك التي تعتمد على الإبداع والابتكار والتكنولوجيا بعيدا عن الأساليب التقليدية، مقترحا تعزيز مكانة هذه المؤسّسات لتقوم بدورها من خلال حزمة التحفيزات الضريبية والجبائية وتذليل كل الصعوبات الإدارية والتحول الرقمي.
وأوضح أنّ تعزيز دور هذا القطاع سيساهم في خلق مناخ بيئي ريادي يعزّز روافد النمو المستدام، وتوفير كل العوامل التي تسمح بإرساء اقتصاد لا يتأثر بالمتغيّرات الخارجية ويستطيع التكيّف مع المتغيّرات المعاكسة، وتحقيق توازن اقتصادي لا يتأثّر بالعوامل الظرفية.
وأشار إلى أنّ هذه الجماعات يدفعها الجشع والطمع إلى احتكار السلع واستغلال زيادة الطلب، ممّا يكبّد الخزينة أموالا كبيرة كان من الممكن أن تُستعمل في مجالات أخرى، مثل دعم السكن والتعليم والبنية التحتية.
بالمقابل، يمكن أن يتحوّل الدخول الاجتماعي إلى فرصة اقتصادية تسمح للمواطن بزيادة الاستهلاك وللمؤسّسات بزيادة الإنتاج وتحقيق الأرباح، كما يخلق التوازن بين مصالح المستهلكين والمنتجين ويساعد الدولة على تنشيط الاقتصاد، وفقا للوضع الطبيعي لميكانيزمات السوق.
وأشار حاكمي إلى اِلزامية تنظيم عمليات توعية وتحسيس بهدف خلق ثقافة جديدة إيجابية تساعد في بناء البلد، بمساهمة الجميع من مؤسّسات وهيئات ومجتمع مدني، وهو المشروع الذي تعمل عليه السلطات العمومية حاليا، التي تسعى إلى بناء نموذج يقوم على التوازن الاجتماعي والاقتصادي يحفظ للمواطنين قدراتهم الشرائية دون عناء وجهد. دون أن يكون ذلك -يضيف المختص في الاقتصاد- على حساب الإنتاج الوطني الذي هو أساس المعادلة الاقتصادية اليوم، لأنه بدون إنتاج وطني ودون تصدير لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي حقيقي ذاتي ولا يمكن تحقيق الاستدامة للأجيال القادمة.
كما اعتبر حاكمي أنّ تحقيق هذا النموذج الجديد للنمو مرهون بالتركيز على القطاعات الرئيسية ومقوّمات الاقتصاد الوطني، على غرار الصناعة الاستخراجية، الصناعة الميكانيكية، والصناعة الغذائية، في ظل التحول الرقمي الذي يبقى متغيّرا ثابتا في معادلة التحول هذه التي تنشدها السلطات العمومية.







