أتمتة المدجنات وإدارة البيوت البلاستيكية بالبيانات.. نقلة زراعية نوعية
بدائل الأعلاف بالبروتين الحشري.. ابتكار يدعم الفلاح ويحمي الأمن الغذائي
في رحاب جامعة وهران 2، معهد الصيانة والأمن الصناعي، اختار الباحث والريادي محمد عبد الله بن علي تحويل انشغالات مرتبطة بالأمن الغذائي وارتفاع تكاليف الأعلاف وتداعيات التغيرات المناخية إلى مشروع تكنولوجي يبحث عن حلول عملية في قلب القطاع الفلاحي. ومن هذه الفكرة، ولدت مؤسّسة «أسيف تكنولوجيا» التي سعت إلى الجمع بين البحث العلمي والابتكار الميداني، مقدمة تجربة تكشف كيف يمكن للمعرفة الجامعية أن تنطلق من فضائها النظري لتتحول إلى منتج وخدمة وقيمة اقتصادية مضافة.
تبرز أهمية التجربة في مسارها أكثر من طبيعة منتجاتها، فقد بدأت من فكرة لتوظيف التكنولوجيا في تحسين النشاط الفلاحي، ثم تطورت تدريجيا نحو حلول تستجيب لحاجات المربين والفلاحين، قبل أن تصل إلى تطوير مكمل غذائي من أصل حشري موجه للطيور والحيوانات. وهكذا أخذ المشروع مسارا تصاعديا انتقل فيه الابتكار من أتمتة العمليات إلى إنتاج البيانات، ثم إلى البحث عن بدائل للأعلاف التقليدية، في محاولة لبناء نموذج يجمع بين التكنولوجيا والاستدامة والأمن الغذائي.
مـــن الفكــــرة إلـى المشــــروع
لم يكن انتقال الفكرة من مرحلة التصور إلى التجسيد منفصلا عن البيئة الجامعية التي احتضنتها، فقد رافقت حاضنة الأعمال لجامعة وهران 2 المشروع منذ سنة 2022، موفّرة التأطير البيداغوجي والمواكبة التقنية والتسييرية التي احتاج إليها في مراحله الأولى.
وتكشف هذه المرحلة عن وظيفة متقدمة للحاضنة الجامعية تتجاوز احتضان الأفكار إلى مرافقة أصحابها في اختبار قابليتها للتحول إلى مشاريع اقتصادية، فالفكرة العلمية، مهما بلغت قيمتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تجد الآليات التي تساعد على تطويرها واختبارها وإدماجها في محيطها الاقتصادي، وقد أثمرت هذه المرافقة عن حصول المشروع على علامة «مشروع مبتكر» ووسم «مؤسسة ناشئة»، قبل أن يبلغ محطة مفصلية في ماي 2025، تمثلت في الحصول على التمويل الرسمي من الصندوق الوطني لتمويل المؤسسات الناشئة والمصغرة «ASF» التابع لوزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمصغرة.
ويمنح هذا المسار للمشروع بعدا يتجاوز نجاح مؤسسة ناشئة منفردة، لأنه يعكس أهمية الربط بين الجامعة والابتكار والتمويل، وهي حلقات لا يمكن لأي مشروع تكنولوجي طموح أن يستغني عنها، فالمختبر ينتج المعرفة، والحاضنة تساعد على تحويلها إلى فكرة قابلة للتجسيد، بينما يسمح التمويل بنقلها إلى مرحلة الاختبار والإنتاج والتسويق.
التّكنولوجيــــا الزّراعيـــــــة
انطلقت التجربة من فكرة بسيطة تقوم على تطوير الفلاحة بواسطة التكنولوجيا، غير أن بساطتها الأولية لم تمنعها من التوسع نحو تصور أكثر شمولية، وقد ركّز النموذج الأولي على أتمتة المدجنات، في خطوة هدفت إلى إدخال الحلول الذكية إلى مجال تربية الحيوانات والطيور والدواجن، وكانت التجربة بمثابة مرحلة اختبار لقدرة التكنولوجيا على معالجة مشكلات واقعية داخل المزرعة، فبدلا من النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها عنصرا خارجيا عن العملية الزراعية، جرى توظيفها باعتبارها وسيلة لتحسين ظروف الإنتاج ومتابعة النشاط بصورة أكثر دقة.
ومع تطور المشروع، انتقلت الحلول إلى البيوت البلاستيكية، حيث أصبح بالإمكان مراقبة المحاصيل والمنتجات والحصول على بيانات تساعد الفلاح على تحسين الإنتاج. وهنا تتّضح النقلة التي أحدثها المشروع في تصوره للعمل الزراعي، إذ لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة لأتمتة بعض المهام، وإنما أصبحت أداة لإنتاج المعلومات التي يمكن الاستناد إليها في إدارة النشاط الفلاحي.
وتكشف هذه المرحلة عن أحد التحولات الأساسية التي يشهدها القطاع الزراعي المعاصر: انتقال القرار من الاعتماد الكامل على الملاحظة والخبرة التقليدية إلى الاستفادة من البيانات والمعالجة التقنية، وكلما كانت البيانات أكثر انتظاما ودقة، أصبح بالإمكان تحسين عمليات المتابعة واتخاذ قرارات أكثر ارتباطا بواقع الإنتاج.
الابتكـــار لتجـــاوز معضلـــة الأعـــــلاف
غير أن الرهان الأكثر ارتباطا بالأمن الغذائي في تجربة «أسيف تكنولوجيا» يتمثل في تطوير مكمل غذائي من أصل حشري موجه للطيور والحيوانات، بدأ تسويقه، وفق المعطيات المقدمة، في الأول من جانفي 2026.
وتنبع أهمية هذا التوجه من محاولة البحث عن بديل لمدخلات غذائية تقليدية مثل فرينة السمك والصوجا، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف الأعلاف، ويطرح البروتين الحشري – في هذا السياق – باعتباره منتجا يجمع بين القيمة الغذائية والاستدامة البيئية وانخفاض البصمة الكربونية مقارنة بالبدائل التقليدية المستوردة والمكلفة.
ويشير بن علي إلى أن فرينة الحشرات تحتوي على مجموعة من المعادن الأساسية، بينها البوتاسيوم والكالسيوم والفوسفور والمغنزيوم والزنك والحديد، إلى جانب بروتين خام تتراوح نسبته بين 60 و70 بالمائة، فضلا عن الألياف والدهون والأحماض الأمينية.
تكشف هذه التركيبة، كما يقدمها صاحب المشروع، عن محاولة لتحويل مورد غير تقليدي إلى عنصر يمكن إدماجه في منظومة التغذية الحيوانية. فالمسألة هنا لا تتعلق بإنتاج مادة غذائية جديدة فحسب، وإنما بإعادة التفكير في أحد مكونات سلسلة الإنتاج الفلاحي من خلال البحث عن مصادر بديلة للبروتين، ويكتسب الرهان بعدا اقتصاديا أيضا، لأن الأعلاف تمثل عنصرا أساسيا في كلفة الإنتاج الحيواني، وكلما أمكن توفير بدائل محلية ومستدامة، أمكن تقليص جزء من الضغط الذي تفرضه المدخلات التقليدية على المنتجين.
التّجـــارب الميدانيـــة تختـــبر الفكـــــرة
لا تستمد هذه التجربة أهميتها من الجانب النظري فقط، وإنما من انتقال المنتج إلى الاختبار الميداني. ووفقا للمعطيات التي قدّمها محمد عبد الله بن علي، أظهرت التجارب نتائج إيجابية في قطاع المائيات، حيث ساهم استخدام المنتج في تطوير القطاع بنسبة تراوحت بين 15 و18 بالمائة مقارنة بالأغذية الأخرى.
وفي قطاع الدواجن، يشير إلى تسجيل تطور بنسبة 7 بالمائة عند إدخال نسبة 5 بالمائة فقط من المنتج ضمن خليط التغذية.
وتضع هذه النتائج المشروع أمام اختبار أكثر أهمية من مجرد تطوير منتج مبتكر، وهو اختبار قدرته على تقديم قيمة ملموسة للمنتج الفلاحي؛ فالابتكار الزراعي لا يكتمل بمجرد وجود فكرة جديدة، وإنما تتحدد قيمته بقدرته على معالجة مشكلة قائمة وتحسين الأداء وخفض التكاليف أو رفع الإنتاج، كما أن الانتقال من المختبر إلى الميدان يفرض على المشاريع الزراعية الناشئة التعامل مع واقع أكثر تعقيدا، لأن الفلاح يحتاج إلى حلول قابلة للاستخدام وذات مردودية واضحة، وليس إلى تكنولوجيا تستمد جاذبيتها من حداثتها فقط.
الأمن الغذائي يبدأ من حلقات الإنتاج
تضع «أسيف تكنولوجيا» مشروعها ضمن تصور أوسع يرتبط بالأمن الغذائي. وهذا الربط مفهوم بالنظر إلى أن الأمن الغذائي لا يتحدد فقط بكمية المنتجات النهائية المتوفرة في الأسواق، وإنما يتأثر أيضا بقدرة منظومة الإنتاج على تأمين مدخلاتها الأساسية.
ومن هذه الزاوية، يصبح البحث عن بدائل للأعلاف التقليدية جزءا من معركة أوسع لتقليص هشاشة القطاع أمام ارتفاع الأسعار والتقلبات الخارجية. فكل حل يسمح بتوفير مدخل غذائي بديل يمكن أن يضيف هامشا من المرونة إلى السلسلة الإنتاجية.
ويمنح هذا المنظور للابتكار الزراعي وظيفة استراتيجية، فالمؤسسة الناشئة لا تقدم تكنولوجيا لذاتها، وإنما تحاول معالجة نقطة حساسة داخل سلسلة الإنتاج، تبدأ من توفير المدخلات وتمتد إلى تحسين التربية والإنتاج، ويضاف إلى ذلك البعد البيئي الذي يقوم عليه استخدام البروتين الحشري، باعتباره، حسب المشروع، خيارا أقل بصمة كربونية من بعض البدائل التقليدية. وهنا يلتقي الرهان الاقتصادي مع الرهان البيئي، في وقت أصبحت فيه استدامة الإنتاج جزءا من النقاش العالمي حول مستقبل الغذاء.
طمــــــــوح إقليمـــي
لا يتوقف طموح مشروع محمد عبد الله بن علي، عند السوق المحلية، إذ يسعى إلى ترسيخ مكانة المؤسسة كفاعل في مجال التكنولوجيا الفلاحية والبيوتكنولوجيا، مع التطلع إلى التوسع نحو الأسواق الإفريقية والشرق الأوسط، ويكشف هذا التوجه عن تحول في طبيعة المشاريع الناشئة التي تنشأ داخل الوسط الجامعي؛ فالمؤسسة لا تنظر إلى السوق الوطنية باعتبارها نهاية المسار، وإنما باعتبارها قاعدة لاختبار الحلول وبناء الخبرة قبل الانتقال إلى أسواق أوسع.
وتفرض الأسواق الإفريقية والشرق أوسطية، في المقابل، تحديات تتعلق بخصوصية الأنظمة الزراعية وتنوع الاحتياجات وتباين ظروف الإنتاج. لذلك فإن قدرة المؤسسة على تحويل خبرتها الميدانية إلى حلول قابلة للتكييف ستكون عاملا أساسيا في نجاح توسعها.
وتتجاوز هذه الطموحات الجانب التجاري لتلامس مفهوم السيادة الغذائية، فكل مؤسسة قادرة على تطوير حلول محلية في مجال حساس مثل الأعلاف تساهم، من موقعها، في تقليص الاعتماد على المدخلات الخارجية ورفع قدرة المنظومة الوطنية على مواجهة الاضطرابات التي يمكن أن تصيب الأسواق الدولية.
التكنولوجيـــا جــزء مــن الحـــل الزّراعـــي
تكشف تجربة «أسيف تكنولوجيا» في مجملها عن مسار يبدأ من الجامعة وينتهي عند الحاجة الميدانية، فمن أتمتة المدجنات إلى مراقبة البيوت البلاستيكية، ومن إنتاج البيانات إلى تطوير البروتين الحشري، يتضح أن التكنولوجيا الزراعية يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة التفكير في أساليب الإنتاج نفسها، وتكمن قيمة هذا المسار في الجمع بين أكثر من بعد: المعرفة الأكاديمية، والابتكار، والمرافقة الجامعية، والتمويل، والتجربة الميدانية، ثم محاولة الوصول إلى السوق، وهي سلسلة متكاملة، يمثل كل عنصر فيها شرطا لنجاح العناصر الأخرى؛ فالجامعة التي تنتج المعرفة تحتاج إلى آليات لتحويلها إلى مشاريع، والمشروع يحتاج إلى تمويل ومرافقة، والمنتج يحتاج إلى اختبار ميداني، والاختبار يحتاج إلى سوق قادرة على استيعابه. وعندما تنتظم هذه الحلقات، يصبح الابتكار أكثر قدرة على مغادرة فضاء الشعارات نحو إنتاج قيمة اقتصادية حقيقية.
إنّ تجربة الباحث والريادي بن علي محمد عبد الله تقدّم صورة على اتجاه آخذ في التشكل بالجامعة الجزائرية، حيث يتحول البحث العلمي تدريجيا إلى منصة لإنتاج حلول مرتبطة بمشكلات المجتمع والاقتصاد. ويظل التحدي الأكبر في قدرة هذه المشاريع على الاستمرار والتوسع، وتحويل الابتكار الأولي إلى منظومة إنتاجية مستقرة.






